عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
37
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حسبي اللّه وكفى منزلة العلم باللّه تعالى الحمد للّه الذي أعطى مراتب الوجود حقها على التمام والكمال ، فظهر فيها بما علمه لها من الحسن والجمال والثبوت والزوال والميل والاعتدال ، فليس في الإمكان أكمل من هذا الوجود النائل من الكمال كل مثال ، أحمده به على ماله من شيم المجد والجلال ، حمد من تحقق ما لذاته من صنوف الوجوب والامكان والمحال . وأشهد أن لا إله إلا اللّه الكبير المتعال ، الظاهر بكل موجود بكماله من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال ، ظهور بلا كيف يصور العقل ويحيط به الخيال ، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى اللّه عليه وسلم مظهره الأعظم ومجلاه المحيط الأقدم ورسوله الختم الأكرم صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه طراز الوجود المعلم ، وشرف وعظم ومجد وكرم . أما بعد فإنّ أولى ما اعتنى به العقلاء وأعز ما صرف العمر في طلبه الفضلاء هو العلم باللّه ، وإنه لكثرة اتساعه وعظم شياعه لا يكاد المرء يبلغ من تداركه مقصودا ولو كان بجميع الإمدادات ممدودا ، وإن القوم المشار إليهم بهذا العلم رضوان اللّه عليهم ، إنما أخذوا منه طرفا ، كل على قدر قابليته وقبول الفيض المقدس والأقدس من حضرة التجلي ، والتحقق بحقيقة الاتصاف والتحلي مع التأييد الإلهي بروح القدس لدى الإلقاء والتلقي ، حتى أنهم مع دوام النفحات وتواتر الخيرات لم يزالوا يطلبون العلم من بعضهم بعضا ويسيحون في الأرض للوقوع على رجل منهم ؛ ليفيدهم فيه مسألة طولا وعرضا ، ولهذا قال الجنيد - رضي اللّه عنه - : « لو علمت أن تحت أديم السماء علما أشرف من علمنا هذا لرحلت إليه » . تنبيها على شرف هذا العلم وأنه مما ينبغي للمريد أن يرحل إليه بل يجب عليه .