عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

103

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

الفصل الثاني عشر في سر قوله صلى اللّه عليه وسلم عند انتقاله من دار الدنيا إلى دار الأخرى في الرفيق الأعلى ، وتكراره لها ، وكون ذلك آخر كلامه بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه خالق المعارج ، ونور المراقي والمدارج ، الهادي لخلقه بمخلوقاته إليه ، والدال لأوليائه بأسمائه وصفاته ، عليه الذي تودد إلى خواصه فأحبوه ، وتعرف إليهم فطلبوه ، أشهدهم جماله وجلاله في كل شيء من غير حلول فشهدوه ، وأوجدهم ذاته في غير محل مخصوص فوجدوه ، كملهم بكماله وجملهم بجماله وأظهر على أيديهم آثار لطفه وأنوار جلاله . أحمده على ما يعلمه لنفسه الكريمة من نفسه ، وأشكره على ما خصني به من معرفة حظائر قدسه ، وأثنى عليه بما أسبغ من نعمه علي بالقرب الحقيقي المحفوف بأنسه . وأصلي على الوسيلة العظمى ذي المحل الأعز الأسنى والنور الأظهر الأسنى والمقام الأكمل الأهنى ، صاحب فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) [ النجم : 9 ] محمد بن عبد اللّه المبعوث إلى كافة خلق اللّه بالهداية المطلقة إلى اللّه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه وخلفائه وعترته وأنسابه والقائمين في محل الثناء به عنه من أمته من أحبابه . أما بعد ، فإن الإنسان له من وجوه المعاني وجهان ؛ فوجه يكون به مع الأكوان ، ووجه يكون به عند الملك الديان ، وهو في حال ظهوره بكل وجه يا إخوان كامل بما يقتضيه ذلك الوجه من الذات والوصف والاسم والفعل والأثر والشأن ، فكأنه في الحقيقة ذاتان ، فالوجه الأبعد له وجه العجز والحصر والافتقار والنقصان ، والوجه الأقرب منه له وجه العز والكبرياء والكمال والغنى والجود والإحسان ، فهو بالوجه الأبعد مسمى الكون بين الكيان ، وبالوجه الأقرب مسمى اللّه الرحمن وفي هذا المعنى قلنا .