عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

97

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

الكمال الجامعة بين الجمال والجلال المتحلّية بأوصاف اللّه الكبير المتعال ، المشرّفة بنور الذات الإلهية في الأباد والأزال المحيطة بكل كمال حقي وخلقي المستوعبة لكل فضيلة في الوجود صورة ومعنا ، حكما وعينا ، غيبا وشهادة ، ظاهرا وباطنا ، ولن تستطيع أن تستحضر كل ذلك له حتى تعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم هو البرزخ الكلي القائم بطرفي حقائق الوجود القديم والحديث ، فهو حقيقة كل من الجهتين ذاتا وصفاتا ؛ لأنه مخلوق من نور الذات والذات جامعة لأوصافها وأفعالها وآثارها ومؤثراتها حكما وعينا . ومن ثمّ قال اللّه تعالى في حقّه : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [ النجم : 8 ، 9 ] . وإني سأنزل لك حقيقة معنى هذه الآية الشريفة المفصحة عن كمالاته المنيفة صلى اللّه عليه وسلم إنزالا مثاليا يتصور لك في الذهن برؤية هذا المثال تحقيق معناها إن شاء اللّه تعالى . اعلم أولا أن الوجود كله كدائرة واحدة مقسومة في النصف بخط يمرّ على مركز الدائرة ، فالنصف الأعلى منها يسمّى بالوجود القديم والواجب والحق ، وتعالى اللّه عن التقسيم والانقسام . والنصف الأسفل منها يسمّى بالوجود المحدث والممكن والخلق ، فكل نصف من الدائرة قوس ، والخط الواحد وتر ذلك القوس ، فالخط وتر قوس الدائرة وبه تقوّس كل نصف على ما هو عليه ، فقسم هذا الخط الذي هو الوتر قاب قوسين . فاعلم أن المقام المحمّدي هو الجامع للكمالات الإلهية والكمالات الخلقية صورة ومعنا وقد مثّلنا هذه الدائرة في الكتاب المتقدّم على هذا الكتاب من حيث التجزئة ، وإنما كان صلى اللّه عليه وسلم برزخا بين الحقائق الحقيّة والحقائق الخلقية ؛ لأنه حقيقة الحقائق جميعها ولهذا كان مقامه ليلة المعراج فوق العرش ، وقد علمت أن العرش غاية المخلوقات إذ ليس فوق العرش مخلوق ، فعند استوائه صلى اللّه عليه وسلم كانت المخلوقات بأسرها تحته وربه فوقه ، فصار برزخا بين الحق والخلق بالصورة المحسوسة كما كان برزخا بالمعنى ؛ لأنه الموجود من الحق والخلق موجودون منه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو المتّصف بكلتي الصفتين من كلتي الجهتي صورة ومعنا ، حكما وعينا ، فإذا علمت ما ذكرته لك سهل عليك استحضار هذا الكمال المحمّدي كما هو له إن شاء اللّه .