عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
92
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات اللّه عليهم أجمعين هم أولو العزم من الرسل ، فينبغي للتابع الكامل الاتّباع أن يأتي بعزائم الأمور ولا يركن إلى التسهيل ولا يقف مع الرخص ولا مع ما أمر به ونهى عنه ، فإن ذلك مقام الإسلام ونحن نطلب لك ما نطلبه لأنفسنا من مقامات القربة والصدّيقيّة ، ومن شرطها اتّباع النبي صلى اللّه عليه وسلم في ارتكاب عزائم الأمور ، ولن تقدر على ذلك كما ينبغي إلا بعد معرفة النفس ودسائسها وعللها ، ولا يعرف ذلك إلا بواسطة شيخ من أهل اللّه تعالى يدلّك على ذلك جميعه ، ونعرفك ما هو اللائق بك في كل زمان من الأعمال والأحوال . ألا ترى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان في بدايته يتحنّث في غار حراء الأيام الكثيرة ، فلمّا انتهى وعظم شأنه ترك التحنّث في الغار ، وبقي مع أصحابه طول السنة ما خلا العشر الأخيرة من شهر رمضان ، ولا يتحقق للطالب معرفة اللائق به إلا بواسطة شيخ مرشد له على ذلك جميعه وبواسطة جذب إلهي كاشف له عن ذلك ، وليس لنا مع المجذوب كلام ، كلامنا معك أيّها العاقل الطالب للاتّباع المحمّدي ، فينبغي لك أن تطلب شيخا مرشدا يدلك على معرفة اللّه تعالى بتعريفه لك بنفسك ، فإذا وقعت عليه فلا تخالف أمره ولا تفارق موضعه ، ولو قطّعك البلاء إربا إربا ، واحذر أن تعصيه أو تكتمه شيئا من أمرك أو بالشفاعة والالتجاء إلى اللّه تعالى في حقك ؛ ليزيل عنك وخامة تلك الزلة ، فإذا لم يتفق لك الوقوع على رجل من أهل اللّه تعالى فالزم طريق أهل اللّه تعالى . وجملة الطريق إلى اللّه تعالى أربعة أشياء : أحدها : فراغ القلب عن الميل إلى ما سوى اللّه تعالى في الدنيا والآخرة . الثاني : الإقبال على اللّه بالكلية بالقصد والمحبة المنزهة عن العدل من غير فتور ولا التفات ولا ملل ولا طلب عوض . الثالث : دوام المخالفة للنفس في كل ما تطلبه من الأمور التي تتعلق بمصالحها دنيا وأخرى ، وأعظم المخالفات للنفس ترك ما سوى اللّه تعالى نظرا واعتقادا وعلما . الرابع : دوام الذكر للّه تعالى بالنظر إلى جلال اللّه وجماله سواء كان ذكر اللسان أو ذكر القلب أو ذكر الروح أو ذكر السر أو ذكر الجملة ، وقد شرحناها في كتاب : « غنية أرباب السماع في كشف القناع عن وجوهات الأسماع » فمن أراد معرفة ذلك فليطالع هنالك ، واللّه الموفق لا ربّ غيره ولا معبود سواه .