عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
90
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
هي المقام المحمود يوم القيامة ، وليست الوسيلة في المعنى إلا الواسطة للوصول إلى المطلوب وهي الشفاعة ، قال الشاعر : على اللّه في كلّ الأمور توكّلي * وبالمصطفى الهادي الشفيع توسّلي وبالخمس من الألبّاء توسّلي يعني : تشفعي . وهذا المعنى منزلة صورية في الجنة المسمّاة بالفردوس الأعلى ، وهي أرفع منازل الجنان ، يكون هو صلى اللّه عليه وسلم فيها ليحوي الكمال صورة ومعنا ظاهرا وباطنا كما سبق بيانه في أوائل هذه الرسالة ، فلمّا كان صلى اللّه عليه وسلم واسطة الجميع في البداية للأجل الظهور ، كان واسطتهم في النهاية ؛ لأجل النعيم المقيم ، فليس في الأزل والأبد وسيلة ولا واسطة ولا علة لوجودك ووجود كل خير لك ، ولكل موجود أحد سواه صلى اللّه عليه وسلم . فمن الأولى أن تتعلق بجنابه ، وتعكف على بابه ؛ ليحصل الميل من الجهتين فيسرع الوصول إلى المقصود . ألا تراه قال صلى اللّه عليه وسلم للأعرابي الذي تمنّى عليه أن يكون رفيقه في الجنة : « أعني على نفسك بكثرة السجود » « 1 » . فقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أعني » دليل على أنه أحب أن يشفع له إلى اللّه تعالى أن يكون رفيقه في الجنة ، ولكنه أراد أن يكون الجذب من الجهتين ؛ ليسرع وصوله إلى ذلك ، فأمره أن يعينه على نفسه بالسجود ليتحقق بالمقصود أكمل تحقق . ولهذا كان دأب الأولياء الكمّل رضوان اللّه عليهم أن يتعلّقوا بجنابه ، ويحطّوا جباهم على بابه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يزل ذلك دأبهم ودأب كل من أراد اللّه تكميله حتى أنهم رضي اللّه عنهم إذا حضروا في بعض الحضرات الإلهية التي يمكنهم ألا ينظروا فيها إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم أسرعوا إلى توجيه المشاهدة إلى الأنوار الإلهية نحو الجناب المحمّدي ، وصرفوا إليه كلمة الحضرة الإلهية ، وذهلوا عن كل ما تقتضيه حقائقهم من الكمالات الإلهية تأدّبا معه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 353 ) .