عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

9

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

جميع الناس في وقت تلبسه بها ، فما يفعل من العبادات ، فأجاب عنه على الفور يأتي مكة ويخلي له الطواف ، ويطوف أسبوعا وحده فينحل بيمينه ، فأعجب علماء العراقيين ، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها . ورفع إليه شخص سؤالا أنه يرى اللّه عزّ وجلّ بعين رأسه ، فقال : أحق ما يقولون عنك ؟ فقال : نعم ، فانتهره وأهانه عن هذا القول ، وأخذ عليه العهد أنه لا يعد إليه ، فقيل للشيخ : أمحقّ هذا أم مبطل ؟ فقال : هو محقّ ملبس عليه ، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ثم انخرق من بصيرته إلى بصره منفذ ، فرأى بصره بصيرته ، وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده ، فظنّ أن بصره رأى ما شهد به بصيرته ، وإنما رأى بصره بصيرته فقط وهو لا يدري . وكان يقول : ترائى لي نور عظيم ملأ الأرض ، ثم بدت لي صورة تناديني : يا عبد القادر أنا ربك ، وقد حللت لك المحرمات ، فقلت : اخسأ يا لعين فإنك شيطان ، فإذا ذلك النور ظلام ، وتلك الصورة دخان ، ثم خاطبني وقال لي : يا عبد القادر ، نجوت مني بعلمك بحكم ربك ، وفقهك في أحوال منازلاتك ، ولقد أضللت بمثل هذه سبعين من أهل الطريقة ، فقلت : للّه الفضل ، فقيل له : كيف علمت أنه شيطان ؟ فقال : بقوله : قد حللت لك المحرمات ؛ إن اللّه لا يأمر بالفحشاء . ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أدباء بغداد ؛ ليمتحنوه في العلم ، فجمع كل واحد منهم سؤالا وجاءوا إليه ، فلمّا استقرّ بهم المجلس أطرق الشيخ رأسه فظهرت من صدره بارقة من نور ، فمرّت على صدور المائة فمسحت ما في قلوبهم ، وبهتوا واضطربوا وصاحوا صيحة واحدة ، ومزّقوا ثيابهم ، وكشفوا رؤوسهم ، ثم صعد المنبر وأجاب الجميع عمّا كان عندهم ، واعترفوا بفضله . وكان من أخلاقه مع جلالة قدره يقف مع الصغير والجارية ، ويجالس الفقراء ، ويفلي ثيابهم ، وكان لا يقوم قط لأحد من العلماء ولا لأعيان الدولة ، ولا ألمّ قط بباب وزير ولا سلطان ، وكان يرى الجلوس على بساط الملوك ، ومن داناهم من العقوبات المعجلة للفقير ،