عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
81
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
اللّه تعالى إلا من بابه صلى اللّه عليه وسلم ، يعني : ليس لأحد إلا أن يمشي خلقه ، ويكون تابعه ظاهرا وباطنا حتى يصل إلى اللّه تعالى وإلا فلا . ولولا ذلك ما ادّعى الأولياء ما ادّعته الأنبياء من قبل ، فإن الأولياء من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم نالوا ما نالته الأنبياء في الباطن من اللّه تعالى ، ولم ينالوا النبوة لانقطاعها بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . والحكمة في ذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما نالوا ما نالوا من النبوة وشرعوا ما شرعوه من الأديان بإذن اللّه تعالى ؛ لعلمه سبحانه بأن أديانهم تنسخ بظهور الدين المحمّدي ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم بعدهم ظهروا ، والأولياء ظهروا بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلو حصلت النبوّة لأحد منهم ؛ لكان كالناسخ للدين المحمّدي وذلك محال فلا سبيل إليه ؛ لأن الجزء لا يظهر على الكل بل الظهور للكل على الجزء ، فدين محمد صلى اللّه عليه وسلم كلي ؛ ولهذا كان مبعوثا إلى كافة الخلائق بخلاف غيره من الأنبياء والمرسلين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ؛ لأنهم إنما بعثهم اللّه تعالى إلى أقوام مخصوصة ؛ لأن دينهم جزئي ودين كل منوط بمحتده كلي بكلي وجزئي بجزئي ، فقوة محمد صلى اللّه عليه وسلم بقوة العالم كله العرش والكرسي واللوح والقلم والأملاك والأفلاك والسماوات والنجوم والكواكب السيّارة والشمس والقمر والريح والماء والتراب والشجر والحجر والمعدن والحيوان وجميع الإنس والجان ، ومجموع ما خلق اللّه تعالى وما هو خالق ، ويزيد على ذلك كله بالمعيّة الكبرى التي خصّ بها وذلك هو المعبّر عنه بقاب قوسين صلى اللّه عليه وسلم وليس لسواه من ذلك كله إلا ما وسعته قابليته فافهم ، وألحق نفسك به لحوق القطرة بالبحر ؛ لتفوز بالسعادة الكبرى والمكانة الزلفى . وفي هذه النكتة سر جليل وأمر نبيل لو قدّر اللّه لك فهمه . وإلى هذا اللحوق بالبحر المحمّدي أشار سيدي أبو الغيث بن جميل رضي الله عنه بقوله : خضنا بحرا وقفت الأنبياء على ساحله ؛ لأن اللحوق الحقيقي بالشخص لا يكون إلا لمن بعده صورة ومعنى ، فالأولياء الكمّل من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم لا حقون به صورة ومعنى فهم خائضون بحر اللحوق المحمّدي بخلاف الأنبياء صلوات اللّه تعالى وسلامه عليهم أجمعين ؛ لأنهم إنما لحقوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم حكما فهم لاحقون من حيث المعنى لا متبوعين لا تابعين لغيرهم على أنهم في الحكم تابعون له صلى اللّه عليه وسلم ، والأولياء تابعون له لا متبوعون فالأولياء تابعون له صلى اللّه عليه وسلم صورة ومعنى ، عينا وحكما فمن وفّق له أن يلحق قطرته ببحر الحقيقة المحمّدية فاز بالسعادة