عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

52

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

--> - وأما الحاء : فقد تقدم أنه يمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والحكمة والحلم . وأما الدال : فيمكن أن تكون مشعرة بالدلالة كما سبق ، ومظاهر الدلالة الكبرى أربعة : وهي : العلم المأمور في الأزل بكتابة الكائنات ، واللوح المحفوظ ، وأمين الوحي ، ومبلغه للخلق عليهما أفضل الصلاة وأزكى التسليمات ، ولا يعارض ما ذكرناه هنا ما أسلفناه ؛ لأن المقام مقام التماس نكات ، والنكات لا تتزاحم ، فكل ما بدا وظهر للفهم من وجوه اللطائف المناسبة لا يبعد ولا يستنكر ، وأما هيئته فحركة الميم الأولى هي الضمة التي هي أقوى الحركات ، يناسبها قوة ذلك الملك ، وظهور سلطانه ، وإشارته في قوله تعالى : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [ الفتح : 3 ] . وفي نحو : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [ الصف : 8 ] . وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [ التوبة : 32 ] . لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ الفتح : 28 ] . وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] . إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] . وحركة الحاء هي الفتحة ، وكم فتح اللّه بحكمه وحكمته وحلمه قلوبا عميا وآذانا صمّا ، ومناسبة فتح حاء الحكم لضمة ميم الملك ، تظهر بأدنى توجه ، وحركة الميم الثانية : الفتحة المؤيدة بالتشديد المشعر بتأكد ملك الآخرة ؛ لبقائه واستمراره ، وعزة آثاره ، وعدم تناهي أسراره ، وأما ملك الدنيا فهو وإن قوي سلطانه وظهر أبّانه معرض للزوال بزوال محله ، فكأنه نموذج بل مقدمة للثاني ، وتقدم كلام الشيخ أبي عبد اللّه المكي في فصل معاني حروف الاسم المكرم فلا تغفل عما فيه . وأما الدال : فمورد للحركات الإعرابية ، وكذا للسكون إذا تجرد الاسم عن العوامل اللفظية والمعنوية ، أو وقف عليه ، وهذا يناسبه توارد واردات الدلالات الملكية والإلهامية ، وتنوع أنواع النعيم في دوام التنعيم ، ومراتب التعظيم في دار التكريم ، وسكون أشرف وارده بأعظم الموارد ، ولا شبه في التجرد حينئذ من طوارق العوارض الدنيوية ، والدنيا دار الأكدار ، والجنة دار القرار ، فإن قبلت أن سكون الميم الثانية يسبب الإدغام يناسبه الإشارة إلى السكون البرزخي ، وإلى أن البرزخ هو المنزلة الثانية الكائنة بين الدارين ، الفاصلة بين المقامين ، فلا بأس ، وأيّ بعد لفهم يلتمس من سر ذلك المقتبس ، وأن تدعني وخيالي ، فقد رضيت مجالي ، فاطو عنّي بيانك وبديعك ، لا أسمع صنيعك ، ما أنت طبيبي ، -