عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
47
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
دون غيره ، فرتّب اللّه تعالى الموجودات السفليّة بواسطة الأركان الأربعة ، ورتّب الأركان بواسطة هذه العقول المذكورة ، وترتيب موجودية هذه العقول العشرة كترتيب وجود العدد من الواحد ، فإن الاثنين مثلا لا توجد إلا بوجود الواحد ، والثلاثة لا توجد إلا بوجود الاثنين وهلمّ جرّا . فلا يوجد عدد إلا بعد وجود ما قبله في المرتبة ، والكل موجودون من الواحد ، وليس الواحد من العدد ؛ لأن كل عدد تضربه في عدد يخرج منه عددا أكثر من مثل أحدهما ، ولو ضربت جميع الأعداد في الواحد لا يخرج منها شيء ؛ لأن الواحد ليس هو بعدد ، فلو كان عددا لخرج من ضربه في نفسه عدد . ولهذا كان العقل الأول الذي هو عبارة عن حقيقة الروح المحمديّة أصلا لوجود العالم كلّه عالم الأمر وعالم الخلق ، فهو على الحقيقة عند المحققين علة العلل واللّه منزّه أن يكون علّة لوجود شيء سبحانه وتعالى . وقد علمت بما ذكرناه تفصيل خلقيّة الوجود من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن سائر الأرواح الجزئيّة مخلوقة من تلك الأرواح الكليّة المخلوقة منها ، والأجسام مخلوقة من الأركان المخلوقة منها فهو أوّل الوجود وآخره . وعن ذلك أفصح صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « استدار الوجود في زمانه كهيئته يوم خلق اللّه السماوات » « 1 » : أي كملت الدائرة الوجوديّة بظهوره فيها صورة ومعنى . ولهذا كان صلى اللّه عليه وسلم الختام المخصوص بمقام الجلال والإكرام فهو صلى اللّه عليه وسلم كما كان أقرب الخلق وجودا إلى الحق في الباطن سيكون أعلاهم درجة في الجنة ، وأقربهم إليه في الظاهر ، وسمّى اللّه تلك الدرجة التي وعده بها بالوسيلة ، وما الوسيلة في المعنى إلا السبب ، فهو في الابتداء سبب وجود الخلق ودرجته من الانتهاء الوسيلة « 2 » ؛ لأنه سبب قرب الخلق إلى الحق ؛
--> ( 1 ) رواه أحمد ( 5 / 37 ) ، والطبري في تفسيره ( 2 / 275 ) . ( 2 ) قلت : قال الشيخ الكتاني : ومقام الوسيلة قيل : إنه مقام حسي وأنه علم على أعلى منزلة ودرجة في الجنة وهي منزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وداره في الجنة وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش وقيل : إنه معنوي وهو أنه يكون في الجنة في قربه من اللّه القرب المعنوي بمنزلة الوزير من الملك من غير تشبيه -