عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

43

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

وخلق بواسطة السادس عقلا سابعا هو : روح السماء الرابعة . وخلق بواسطة السابع عقلا ثامنا هو روح السماء الثالثة . وخلق بواسطة الثامن عقلا تاسعا هو روح السماء الثانية . وخلق بواسطة التاسع عقلا عاشرا هو : روح السماء الأولى سماء الدنيا ، ويسمّى هذا العقل ب « العقل الفعّال » . جعل اللّه سبحانه تدبير العالم الأرضي معروفا بقدرته تعالى إلى هذا العقل . كما جعل تدبير الجسم الحيواني معروفا على الروح « 1 » .

--> ( 1 ) والأصل فيه قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، وقوله تعالى : وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [ السجدة : 9 ] . واعلم أن هذه الإضافة إضافة تشريف وإظهار بأنه خلق عجيب ومخلوق شريف ، وإن له شأنا لأنه جعل فيه الشيء الذي اختص تعالى به ، ولذلك أضافه إليه فصار بسبب ذلك حيّا حساسا بعد أن كان جمادا . والروح اختلف العلماء هل يجوز الخوض فيها أم لا ، فذهب قوم إلى أن الإمساك عنها أولى ، وذهب آخرون إلى الكلام فيها ، والمتكلمون فيها اختلفوا هل هي عرض أو جرم لطيف يحل بالأجرام ، كحلول الماء في العود الأخضر ، والحكماء يقولون هي اللطيفة المدبرة للجسد حيوانا كان أو غيره ، وهذه اللطيفة مختلفون فيها ، فمنهم من قال : إنها الريح فهي عندهم في الحيوان روح ، وفي الهوى ريح ، فالأولى تحرك الحيوانات ، والأخرى تحرك الجمادات ، ومنهم من قال : إنها ماء الجسد المشتبك فيه اشتباك ماء العود الأخضر به ، وهذا الماء عند الفلاسفة هو الدم ، وعند غيرهم ما صحّ منه التركيب البدني ؛ لأنهم إذا ذهب ذهب تركيب البدن ، وهذه الأقوال وإن كانت حقّا فمن وراء حجاب عن حقيقتها ، وحقيقتها هي التي أجاب عنها تعالى بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ : أي اليهود عَنِ الرُّوحِ الذي هو روح البدن الإنساني ، ومبدأ حياته سألوه عن حقيقته ، فأجيبوا بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] : أي من جنس ما استأثر اللّه بعلمه من الأسرار الخفية ، التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر ، فالأمر واحد الأمور بمعنى الشأن والإضافة ؛ للاختصاص العلمي لا الإيجادي ؛ لاشتراك الكل فيه ، والمعنى أن الروح ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهرين البدنيين الذين لا يتجاوز إدراكهم عن الحس والمحسوس بالتشبيه ببعض ما شعروا به ، والتوصيف بل من عالم الأمر الإبداع الذي هو عالم الذوات المجرّدة عن الهيولي والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين ، فلا يمكنهم إدراكه أيها -