عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

39

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

--> - إحداهما : نسبة الجمال والنور ومنها خلقت الأرواح المهيمة وجميع الملائكة المعظمة ومن ضاهاهم بل والأرواح كلها والأجسام النورانية التي لا ظلمة فيها . والثانية : نسبة الجلال والظلام والضلال ومنها خلقت الأجسام الظلمانية كإبليس وأتباعه من الشياطين وسائر الأجسام الكثيفة والجحيم ودركاتها ، كما أن الجنة والنار وجميع درجاتها خلقت من النسبة الأولى وهي النورانية وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان أول موجود وأفضل كل مشهود انصب فيه بحكم محبة الحق إياه المحبة الكاملة الأكملية جميع ما أراد تعالى إبرازه للوجود من الجواهر والأعراض والمنح والمواهب وجميع آثار الكرم والمجد وجميع آثار السطوة والقهر فجمع سبحانه وتعالى فيه جميع ما ذكر إجمالا وتفصيلا ثم جعله منبعا وعنصرا لجميع ما يصل إلى الأكوان من جميع ما ذكر جملة وتفصيلا أزلا وأبدا ومن المحال بحكم المشيئة الإلهية أن يبرز شيء في الوجود جوهرا كان أو عرضا أو غيرهما مما دق أو جل خارجا عنه صلى اللّه عليه وسلم . قال الجيلي في كتاب « الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم » ما نصه : الحقيقة المحمدية خلق العالم بأسره منها لما ورد في حديث جابر أن اللّه تعالى خلق روح النبي صلى اللّه عليه وسلم من ذاته وخلق العالم بأسره من روح محمد صلى اللّه عليه وسلم فمحمد صلى اللّه عليه وسلم هو الظاهر بالمظاهر الإلهية ، ألا ترى إليه صلى اللّه عليه وسلم كيف سري بجسمه إلى فوق العرش وهو مستوي الرحمن ، انتهى . وقال في « جواهر المعاني » نقلا عن شيخه أبي العباس التيجاني بعد ما ذكر عنه أن للحق تعالى تنزيلين تنزلا أوليّا وهو تنزل وجود الذوات وهو المقتضي لوجود الخلق عموما وخصوا جملة وتفصيلا من أول وجود العالم إلى الأبد ، وتنزلا ثانويّا وهو تنزله بفيض الرحمة الإلهية المسماة بالنفس الرحماني ما نصه : وهذا التنزل الثاني والتنزل الأول كلاهما مجموعان في الحقيقة المحمدية فإنها أول موجود أنشأه اللّه من حضرة العما الرباني وأوجدها سبحانه وتعالى مشتملة على جميع ذوات الوجود من الأزل إلى الأبد والوجود كله متنسل منها فكما أن آدم عليه السّلام وجوده مشتمل على وجود ذريته إلى قيام الساعة فما في الوجود آدمي خارج عنه كذلك ما في الوجود ذرة موجودة من الأزل إلى الأبد خارجة عن الحقيقة المحمدية إذ هو الأب الأول للوجود كله فهذا هو التنزل الأول وهو تنزل وجود الذوات ، وكان التنزل الثاني الذي هو فيض الرحمة الإلهية الذي اقتضاه النفس الرحماني مجموعا أيضا في الحقيقة المحمدية فما في الوجود رحمة تصعد أو تنزل مما عم أو خص إلا وهي نقط من فيض بحر الحقيقة المحمدية فكما أنه صلى اللّه عليه وسلم هو السبب في إيجاد الخلق هو السبب في إمدادهم بالرحمة الإلهية ، فيشار للتنزل الأول الذي هو وجود الذوات بقوله سبحانه قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] -