عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

37

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

هذه الصفة إلا إليه ؛ ولهذا سمّاه اللّه تعالى في كتابه العزيز بالنور دون غيره . وسرّ ذلك أن الأنبياء إنما تحقّقوا بهذه الصفة ، وهو صلى اللّه عليه وسلم حقيقة هذه الصفة وكم بيّن حقيقة الشيء إلى من تحقق به ، فافهم . وتحت هذه المسألة فائدة جليلة لو فتح اللّه عليك بمعرفتها ، ثم أنه صلى اللّه عليه وسلم أول ما تنزّل من حضرة الواحدية إلى حضرة الإلوهية ، تلقته منها الحضرة العلمية فتشكّل بصورة تلك الحضرة العلمية . ولهذا لما تنزّل إلى الوجود الكوني كان هو صلى اللّه عليه وسلم صورة القلم المسمّى ب « العقل

--> - الأول ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه خلقني من نور » . فهو صلى اللّه عليه وسلم نور لا بقية لظلمة فيه ، بما هو فان عن نفسه قائم بربّه ، كما يقول هو صلى اللّه عليه وسلم : « ما أنا حملتكم ، اللّه حملكم » ، وكما قيل في أن شعاع نوره في أصحابه وأنصاره : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] ، وكما قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . فهو صلى اللّه عليه وسلم نور ليس في إنارته بقية ظلمة بما نزع اللّه ممن ائتمّ به واتّبعه ، خفيّ الشرك الباقي في خواص أمته ، فصاروا أئمة ، ولذلك كانوا نور الأمم الذي ينتهي إلى نوره الأنوار ويأتمّ به الأئمة ، فهو نور اللّه المستمد بمدد اللّه ، فلذلك هو نور لا يطفأ صلى اللّه عليه وسلم . ولما كان صلى اللّه عليه وسلم محيطا في خلقه بما كل خلق منه ومحيطا في أمره بما كل أمر من أمره كان صلى اللّه عليه وسلم مبينا أعلى أمر اللّه لأدنى خلق اللّه ، فهو نور اللّه البادي الذي أرسله ، وهو نور الأمم الهادي الذي أوصلها ، فهو نور الأمم بما هو هاديها ، ونور اللّه بما هو باديه ، الذي لا خفاء له ، ولما كان الأول الآخر فكان الخاتم ليس وراء مكانته مكانة ولا وراء إنارة نوره إنارة ، لم يكن وراءه ما هو أكمل نوريّة منه فيطفئ نوريّته ، كما شأن الأنوار المترتبة في حكمة اللّه أن تطفئ أشدها أضعفها ، كما يطفئ نور الكواكب ويطفئ ضوء الشمس بعد القمر ، والإطفاء إذهاب الإنارة ، والإنارة الإراءة للأشياء بما شأنه أن يبدو ويبدي ، فالإطفاء ذهاب له أو ذهاب لأثره ، كما يذهب السراج وتذهب إثارة القمر بضوء الشمس ، فكل نور يطفئه فهو أكمل منه ، ونور اللّه الذي هو نور السماوات والأرض نور لا يطفأ ، فلما كان صلى اللّه عليه وسلم نور البادي كله خلقا وأمرا لم يكن وراءه نور بما هو نور الإحاطة إلى ما ورائها من إطلاق الحدّ ؛ فهو لذلك نور اللّه الذي لا يطفأ ، بما ليس وراء نوره مرمى . وانظر : إبداء الخفا للحرالي ( ص ؟ ؟ ؟ ) بتحقيقنا .