عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
31
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
رضي اللّه عنهم وأرضاهم وحرسهم ووالاهم ، وجمعنا في مقعد مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وإيّاهم . اعلموا إخواني أوصلنا اللّه وإيّاكم إليه ، ودلّنا جميعا به عليه أن الطريق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق للعوام ، وليس إلا طريقة واحدة لخواصه الكرام . وذلك معنى قوله تعالى على لسان حبيبه صلى اللّه عليه وسلم : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ [ الأنعام : 153 ] . وذلك السبيل القويم ، والطريق المستقيم ، والمحجّة البيضاء ، والحنيفيّة السمحاء ، شريعة خير الأنام ، وطريقة المبعوث إلى الخواص والعوام عليه أفضل الصلاة والسلام . قد انسدّ في الظاهر كل طريق غير طريقه ؛ وانغلق في الباطن كل باب غير باب تحقيقه فلا سبيل إلى نيل السعادة الكبرى إلا بوسيلته ، ولا وصول إلى الزلفة العليا إلا بواسطة فضيلته ، فكل ولي إنما يستمطر سحابها ، ويسهل عبابها ، وكلّ من ظنّ أنه يعرج بغير وساطته ؛ فإنما صعوده هبوط في سجنه وحثالته . فعليكم بالتعلّق بجنابه الرفيع ، والتمسك بالعروة الوثقى من جاهه المنيع مع دوام استحضار تلك الصورة الكاملة التي هي لمعاني الوجود وصوره جامعة شاملة حتى تفيض لكم الأسرار على الأرواح ، والأرواح على القلوب ، والقلوب على النفوس ، والنفوس على الجسوم من حبّه شرابا معنويا تنتعش به الأرواح والأشباح معدما أطلالكم والرسوم ؛ فتذهبون ويكون صلى اللّه عليه وسلم فيكم عوضا منكم عنكم ؛ لتنالوا حينئذ بقابلية حقيقته المشرّفة بوجودكم ما لم ينله كون من الأكوان في معرفة معبودكم ؛ لأن اللّه سبحانه خصّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالتجلّيات الكاملة الكبرى التي لم يقبلها أحد غيره دنيا ولا آخرة ، فإذا أشرقت أرض وجودكم بنور شمسه الظاهرة ، واستنشقت مشام أرواحكم من خزامي تلك الرياض الناضرة ، استوت ذواتكم بنصيبها من قابليته على بعض تلك المجالي ، فأصبحت إلى ربها ناظرة . وها أنا أبيّن لكم في هذه الورقات ، وأكشف إن شاء اللّه نقاب الجهل عن وجوه أسباب هذه المعاني المخدرات ؛ لتعرفوا مقداره صلى اللّه عليه وسلم فتأخذوا بحقائقكم من قابلية النصيب الأعظم ؛ وعند ذلك تغنموا من السعادات الكبرى كل مغنم ، فلذلك جعلت هذا الكتاب مبوّبا على سبعة أبواب :