عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
11
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
وكان يطيل سجوده جدّا ، ثم يجلس متوجها مراقبا مشاهدا إلى قريب طلوع الفجر ، ثم يأخذ في الدعاء والابتهال والتضرّع والتذلّل ، ويغشاه نور يكاد يخطف الأبصار إلى أن يغيب عن الأبصار . قال : وكنت أسمع عنده : سلام عليكم ، وهو يرد السلام إلى أن يخرج لصلاة الفجر . وكان رضي الله عنه يقول : أقمت في صحراء العراق وخرابه خمسا وعشرين سنة متجرّدا سانحا ، لا أعرف الخلق ولا يعرفوني ، وكانت طوائف من رجال الغيب أعلمهم الطريق إلى اللّه تعالى ، ووافقني الخضر عليه السّلام في أوّل أمري ودخولي العراق وما كنت عرفته ، وشرط عليّ ألا أخالفه وقال : اقعد هاهنا ، فجلست في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرّة ، ويقول لي : اقعد مكانك حتى آتيك ، قال : ومكثت سنة في خراب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات ، فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء ، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ ، ومكثت سنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام . واجتمع عنده مرة الفقراء والفقهاء في مدرسته النظامية فتكلّم في القضاء والقدر ، فبينما هو يتكلّم إذ سقطت حيّة عظيمة في حجره من السقف ، ففرّ منها كل من كان حاضرا عنده ولم يبق إلا هو ، فدخلت الحيّة تحت ثيابه ومرّت على جسده ، وخرجت من طوقه والتفّت على عنقه ، وهو مع ذلك لم يقطع كلامه ، ولا غيّر جلسته ، ثم نزلت إلى الأرض وقامت على ذنبها بين يديه فصوّتت ، ثم كلمها بكلام لم يفهمه الحاضرون ، ثم ذهبت فرجع الناس فسألوه عما قالت ، فقال : قالت لي : اختبرت كثيرا من الأولياء فلم أر مثل ثباتك ، فقلت لها : وهل أنت إلا دويدة يحركك القضاء والقدر الذي أتكلم فيه ! قال رضي الله عنه : ثم إنها جائتني بعد ذلك وأنا أصلّي ففتحت فمها موضع سجودي ، فلما أردت السجود دفعتها بيدي وسجدت ، فالتفّت على عنقي ثم دخلت من كمّي وخرجت من الكم الآخر ، ثم دخلت من طوقي ثم خرجت ، فلما كان الغد دخلت خربة ، فرأيت شخصا عيناه مشقوقتان طولا فعلمت أنه جني ، فقال لي : أنا الحية التي رأيتها ، ولقد اختبرت كثيرا من الأولياء بما اختبرتك به فلم يثبت لي أحد منهم كثباتك ، وكان منهم من اضطرب باطنه وثبت ظاهره ، ومنهم من اضطرب ظاهرا وباطنا ، ورأيتك لم تضطرب لا