عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

101

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

العمل الظاهر وهو الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم القرب بالمكان هو في الجنة ، ونتيجة العمل الباطن وهو التعليق والإقبال ودوام استحضار صورته صلى اللّه عليه وسلم ، ومعناه القرب بالمكانة وهو عند اللّه في مقعد صدق حيث لا أين ولا كيف ، فافهم . إشارة : اعلم أن الولي الكامل كلما ازدادت معرفته في اللّه تعالى سكن وثبت لوجوده عند ذكره على أنه لا ينساه ، وكلما ازدادت معرفته في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اضطرب وظهرت عليه الآثار عند ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم . وذلك أن معرفة الولي للّه إنما هو على قدر قابلية الولي ومحتده في اللّه ، ومعرفته للنبي صلى اللّه عليه وسلم شرب من معرفة اللّه على قدر قابلية النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا لا يطيق أن يثبت له وتظهر عليه الآثار ؛ لأنه من فوق أطواره ، وكلما ازداد الولي في النبي صلى اللّه عليه وسلم معرفة كان أكمل من غيره ، وأمكن في الحضرة الإلهية ، وأدخل في معرفة اللّه على الإطلاق . بشارة : من خصائص النبي صلى اللّه عليه وسلم أن كل من رآه من الأولياء في تجلّ من التجليات الإلهية لابسا لخلعة من الخلع الكمالية ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم يتصدّق بتلك الخلعة على الرائي ، وتكون له ، فإن كان قويّا أمكنه لبسها على الفور ، وإلا فهي مدّخرة له عند اللّه يلبسها له متى تقوى واستعد ، إما في الدنيا وإما في الآخرة ، فمن حصل له تلك الخلعة ولبسها في الدنيا أو في الآخرة تكون له من النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الفتوة . فكل من رأى ذلك الولي في تجلّ من التجليات ، وعليه تلك الخلعة النبوية ، فإنه يخلعها ويتصدق بها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم على الرائي الثاني ، وينزل للولي الأول من المقام المحمدي خلعة أكمل من تلك الخلعة ، عوض ما تصدق بها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . فإن أمكن أن يراه فيه أحد بعد ذلك خلعها عليه ، وحصلت له أخرى ، وهكذا إلى ما لا نهاية له ، صدقة نبوية محمدية هاشمية جرت سنة محمد صلى اللّه عليه وسلم بذلك من الأزل ، عند أخذ اللّه له العهد على الأنبياء عليهم السلام حتى نالوا بذلك مقام النبوة الشريفة التي قصرت أيادي الأولياء عن نيلها ؛ لأن رؤية الأولياء له صلى اللّه عليه وسلم إنما وقعت بعد تلك الرؤية في ذلك المحل ولأجل هذا فازت الأنبياء صلوات اللّه على نبيّنا وعليهم بدرجة السعادة التي ليست لغيرهم ؛ لأنهم أول من رأوه في أكمل خلقه له ، ولم تزل هذه الفتوى دأبه عادة لسائر من