عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

89

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

الباب الأول نحن ؛ محلّ انجلاء كلّ شيء ، وظهوره قال الإمام رضي اللّه عنه : الباب التاسع والخمسون بعد الخمسمائة ، في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة . أراد بالأسرار : اللطائف الإلهية التي أودعها في ذوات الموجودات ، فاختصّ كل موجود بلطيفة هي محتده من كمال الحقّ تعالى ، بها يرجع إلى ربّه ؛ وهي الحاكمة على روحه وقلبه ، ومن ثمّ قيل : بين العبد وربّه سرّ لا يطّلع عليه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل . وسبب ذلك ، أن كلّ شيء من الموجودات مملوء بما أودعه اللّه فيه من خصائصه ، فليس في شيء فضلة يسع بها ما في غيره . فما لكل أحد من اللّه ، إلا ما هو عليه ذلك الشخص منه ، غير هذا لا يكون ؛ ولكن قد يكون سرّ بعض الأشخاص ذاتيا ، فيرجع إليه في الحكم ، جميع أسرار الموجودات ؛ لضرورة رجوع الصفات إلى الذات ، فيحوي كل ما حواه الوجود ، إجمالا وتفصيلا ، وليس له على التفصيل ، إلا ما هو عليه عينا ووجودا . فافهم . وأراد بالحقائق : ما تقتضيه تلك الأسرار من الأوصاف والنّسب الإلهية الحقيقية . وأراد بالمنازل : أطوار المراتب المختلفة ، لأنه لا يمكن أن تجتمع مخلوقات في مرتبة من المراتب الإبداعية . هذا لا يكون أبدا ، لأن اللّه تعالى أوسع من أن يتجلّى على عبدين بصفة واحدة ، أو بصفة على عبد مرتين . فليس في الوجود شيء مكرّر ؛ بل كل شيء له مرتبة مخصوصة به ، وصفة من صفات اللّه تعالى يرجع بها إليه ، واسم حاكم له وعليه . ولولا ذلك لاختلطت الجزئيات ورجعت إلى الأمر الكلّي ، وانبهم الأمر التفصيلي ، والتحق بعض الوجود ببعض ، فزال الضّدّ والنظير ، فاتّحد الماء بالنار ، وبطل حكم التركيب ، وليس هذا إلا في البداية والنهاية ، وأما في البرزخ الفاصل بين الأزل والأبد ، فلا بد من رعاية ترتيب الحكمة الإلهية التي بها قامت الأحكام وتميّز الكفر والإسلام وظهرت الربوبية والعبودية ، إلى غير ذلك من المراتب الخلقية والمظاهر الحقّية التي قصد الإمام - رضي اللّه عنه - أن يتكلّم عليها في هذا الباب .