عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

82

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

ولعمري أشار إلى معنى غريب ، لولا المقام مقام الإشارة ، لأفصحنا عنه العبارة . * * * منظر ( البهت ) يتجلى اللّه تعالى على العبد بتجلّ يذهب فيه لبه ، ويزيل عقله ، وتنعدم فيه معارفه ، فيبهت مصطلما ، تحت أنوار وجدان الحق تعالى . وهذا التجلي المخصوص تجلي ذاتي ، ليس للأسماء والصفات التي تعرفها ، فيه مدرج ولا مسرح . ومن الفحول من يحفظ اللّه عليه عقله ، في هذا المشهد ، لكنه يكون مبهوتا : إن سألته ، لم يستطع الجواب ، وإن خاطبته لم يقدر على الخطاب . فعجزه إنما هو من حيث قدرته ، لا من حيث ذهاب العقل ، حتى أنه لو أراد أن يرفع طرفه من محل إلى غيره ، لم يستطع في غالب أوقاته . وفي هذا المشهد : رأيت رجلا من الشيوخ ببلدة تسمى الأنفة ، هو الفقيه الأجل العارف جمال الدين محمد بن إسماعيل بن المكدش ، نفع اللّه به ! توفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بقريته المذكورة . ورأيت من هذا المذكور ، في زيارتي له أيام بدايتي - بركات كثيرة . آفة هذا المنظر : هو العجز الظاهر على روحانية هذا العبد ، فإن الكامل لا يبالي بما عسى أن يتغشاه من أنواع التجليات . لأن اللّه قد كمل ذاته ، فهو مستعد كامل ، لما يرد عليه من ذلك الجناب . والعاجز ناقص ومحجوب . * * * منظر ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ الحجر : 21 ] ) يتجلى اللّه تعالى على العبد بتجلّ يكشف له فيه عن مفاتيح الغيب ، التي أودعها اللّه تعالى في الإنسان الكامل ، فيفتح بها أقفال غيب ذاته ، فيلج في خزائن الملكوت ، ويرى ما أودع اللّه فيها من أسرار الجبروت ، ما لا يدخل تحت الحد ، ولا يعرفه إلا اللّه تعالى . وحينئذ يعلم حقيقة قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ الحجر : 21 ] .