عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
77
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
كله تصدر الأفعال منه ، وأنت تشهدها تجري عليه ، وهو يرى عن فاعليتها . فلو رأيته يأكل شيئا ، وقلت له : أنت تأكل كذا وكذا ! لقال : لا ! وأقسم أنه لم يأكل ، ولم يفعل شيئا ، لدهشته بفعل اللّه تعالى ، وشغله بذلك ، عن فعل نفسه . فلا يعلم لنفسه فعلا : إذ لا إرادة ، ولا قوة ، ولا قدرة ، ولا حول ، ولا فعل له . فلا يشهد أفعال العالم جميعها إلا باللّه تعالى . ولا ينسب إليه ، من تلك الحركات والسكنات ، شيئا . آفة هذا المنظر : احتجابه بتجليات الأفعال ، عن تجليات الأسماء والصفات . وقد وضعنا لكل من ذلك بابا ، في كتابنا الموسوم ب ( الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل ) . وتحدثنا عن هذه التجليات بحديث ، لم يفصح أحد من العارفين عنه ، ولم يسمح به في مصنفاته . ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم ب ( قطب العجائب ، وفلك الغرائب ) . * * * منظر ( الملائكة المهيمين ) للّه ملائكة مهيمون في مناظر التجليات الإلهية : فمنهم من دهش ، ومنهم من ضعف ، ومنهم المشاهد ، والمتكلم ، والمتحرك ، والساكن - وهم كلهم من الملأ الأعلى ، ليسوا عنصريين ، ولا موجودين من الطبائع . بل هم أنوار مجردة ، خلقهم اللّه تعالى من نور أسمائه وصفاته . وكل من خلق من نور اسم ، فهو مهيم فيه ، لا يعرف اللّه إلا به ، ولا يعرف إلا به ، ولا يعرف غير ذلك الاسم . رأيت في هذا المشهد : خلقا من هذا النوع الكريم ، لا يمكن شرحهم ، قد ألبسهم اللّه تعالى ملابس الهيبة والعظمة ، فلا يراهم أحد إلا ويخرج عن حاله ، إلى حال آخر . ورأيت لهم مائة ملك مقدمين عليهم ، ورأيت عليهم مقدما - كلهم تحت حيطة اسمه القائل . له مع كل ملك وجه خاص . ولهذا الملك من التمكنات والحيطة ، والاتساع - ما لا يمكن شرحه . وهو الملك المسمى بالروح ، في قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النّبإ : 38 ] . فيكون هذا الملك وحده صفا ، وباقي الملائكة جميعا صفا . وقد بوّبنا له بابا ، شرحنا فيه عجائبه ، وغرائبه ، في كتابنا الموسوم ب ( الإنسان الكامل ) . وفي هذا المنظر : رأيت جماعة من الأولياء ، كل شخص مع ملك ، ذلك إلا أحدهما أو كلاهما . وفي هذا المنظر من عجائب آثار اللّه ، ما لا يمكن شرحه .