عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
71
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
والمستأثرة : هي عبارة عن الأسماء والصفات التي لم يتعرف إلينا بها . وهي له ، يتجلى بها على من يشاء من عباده ، فهي مستأثرة عنده لا يعلمها إلا هو ، ويعلمها من يشاء من عباده . وشممت رائحة من هذا المحل ، فحصلت في تجليس له بأيدينا اسم ، فقلت : يا رب ! ما اسم هذا التجلي ؟ فقال لي : اسم وقتك ، وحالك الظاهر ، الذي أنت فيه ، اسمه . ففهمت ما أراد ، وفتح لي إلى علم المستأثرات بابا . آفة هذا المنظر : هو نقص ما تعلمه بما تعلمه ، فإن كل ما علمك بما استأثر به عنده ، إنما هو مما استأثر به سواك ، لا عنك - كان ما استأثر به عنك ، غير ذلك . فأنت حاصل في المستأثر ، غير حاصل فيه ، عالم به ، جاهل عنه ، وذلك من لوازم النقص والحجاب . * * * منظر ( المعية ) يتجلى الحق تعالى على العبد ، في هذا المنظر ، فلا يفارق الحق ، أعني : لا يفارق حضرة شهود التجليات الإلهية ، وإلا فما ثمة فراق ، ولا وصال . فهو مع اللّه أينما كان العبد . وأما قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] فإن هذه المعية ، المذكورة في الآية ، بخلاف ذلك . لأن هذه المعية منسوبة إلى اللّه تعالى ، وليس للعبد فيها شيء . فهي ولو كانت أعلى في مرتبة الوجود ، لنسبتها إلى اللّه تعالى ، فإن من كان مع اللّه ، كان أشرف من مطلق كل من كان اللّه معه . لأن اللّه تعالى واسع عليم ، فهو مع الغافل ، ومع الحاضر . وأما العبد فلا يكون مع اللّه إلا على الحضور . فمعية العبد مع اللّه هنا ، أعلى من مطلق معية اللّه مع العبد . لأن الأول لا يخلو من الثاني ، والثاني قد يخلو من الأول . أعني : معية الحق قد تخلو من معية العبد ، ومعية العبد لا تخلو من معية الحق . وثم وجه ثان ، يكون من كان اللّه معه ، أفضل ممن كان مع اللّه . لأن من كان مع اللّه ، حاصله : أنه حاضر معه سبحانه ، في تجلياته ، غير غافل عنها . ومن كان اللّه معه ، حاصله : أن اللّه قد صار مع العبد لاتصافه بصفاته كلها ، فهو معه لا يفارق اتصافه . ومن ثم قيل : ( يدور الحق مع عمر حيث ما دار ) . ولسنا نعني هذه المعية ، بل نعني المعية المطلقة ، المذكورة في الآية ، بقوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] .