عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

58

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

منظر ( اللذة السارية ) يتجلى الحق تعالى بتجلّ يكشف فيه للعبد بمكانه من الحقائق الإلهية ، فيظهر له من اللّه ما لم يكن يحتسب ، ويؤتى من التحف والطرف ما لا يخطر على قلب بشر : فيجد - لوجود تلك المعاني الإلهية ، بكشف عوالمها من نفسه - لذة سارية ، في جميع أجزائه ، مستولية على جوارحه وأعضائه ، إلى أن يغشى عليه من قوة تلك اللذة ، وهي لذة محسوسة ، موجودة . غير أنها منزّهة عن أن يماثلها ، أو يقرب منها ، شيء من لذات الدارين . غيبت في هذا المنظر عن العالم الكوني ، فكشف لي عن عوالم الأسماء والصفات ، وكيفيتها ، في عالم ذاتي . ووجدت كل ذرة من وجودي ، حاملة من المعارف الكمالية ، ما لا يمكن شرحه . فأعطتني عوالمي كل اسم ، وصفة ، ومعنى ، ومرتبة ، ما لا نهاية لها . فلما وجدت ما وجدت ، سرت فيّ لذة إلهية ، حتى ذقت أمرا محسوسا ، تكاد الروح أن تذهب لوجدانه . فلما رجعت إلى عالم الأكوان ، حدث فيّ حادث ، وكنت يومئذ مبتدئا في هذه الطريق ، فلزمني البدء ، أن أعرض قصتي على رجل كنت أعرفه ، من أهل اللّه تعالى ، فلما عرضت عليه أمر الحادث ، فقال لي : إن حصول الحادث لوجود بقية بشرية ، ولكنه علامة صحة هذا المشهد . آفة هذا المنظر : تلك اللذة ، فإنها تأخذ العبد إليها بالضرورة . وأسباب العبد إليها ، بحسب الضرورة ، نقص . لأن المضطر ينافي القدرة الإلهية ، التي هي صفة العارف . وذلك حجاب لازم ، وهو من أجل بقية بشرية ، وهي التي أشار إليها الرجل ، رضي اللّه عنه ، في تربيته لي فلا يتوهم متوهم ، أن من وجد تلك اللذة ، ولم يحدث به ذلك الحادث ، كان أكمل ممن وجده ، ثم حدث به الحادث ، لأن البقية لازمة للذة تلك . ولا يوصل إلى تحقق مقام تلك اللذة ، إلا بذلك الحادث ، فمن لم يحدث به ذلك الحادث ، لم تتم له اللذة ، بل ما عنده إلا طرف منها . لأن اللذة المستولية عليه ، إذا عمّت الحس ، وأخذت صاحبها بكليته ، لا يجد بدا من أن يمني . ولهذا وجب الغسل على الميت ، لأن الروح إذا أخذت في عالم الملكوت ، واتسعت من هذا المضيق الجسماني ، تجد لذلك لذة كلية تسري في هيكله ، آخر نفس في النزاع ، فلا يجد بدا من أن يمني . فلهذا أوجب الشارع غسل الميت ، حتى أن من لم يبلغ الحلم ، لا بد أن يخرج منه ، عند موته ، شيء يكون بمنزلة المني من غيره . * * *