عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
56
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
وفي هذا المشهد : يسمع العبد صلصلة الجرس . وأول بدؤه في الكشف ، في هذا المنظر ، يسمع تصادم الحقائق ، بعضها مع بعض ، فيجد لها أطيطا ، يملأ ما بين السماء والأرض . ثم إذا تقوى ، وثبت لسماع ذلك ، يترقى ويسمع صلصلة الجرس ، عند رفع الستر عن الصفة القاهرية . وفي هذا المنظر : يتصف الأولياء بالصفة القادرية ، فيخترع الرجل منهم ما شاء من عجائب القدرة ، والتكوينات التي لا يسع شرحها . وما دام العبد في تجليات الجلال ، فإنه لا يمكنه أن يبرز شيئا من عالم غيبته إلى عالم شهادته ، لأن عالم الشهادة يضيق عن حمل ذلك . فلا تكون اختراعاته ، وانفعالاته ، وخرقه للعوائد ، إلا في عالم غيبه ، حتى ينتقل من هذا المنظر ، إلى منظر الكمال ، فتتنزل حقائقه ، من سره إلى روحه . ثم تفيض روحه على قلبه ، ثم يفيض قلبه على نفسه ، ثم تفيض نفسه على هيكله . فتبرز آثار ما اتصف به في عالم شهادته ، على التدريج والحكمة ، لأن دار الدنيا دار حكمة ، فلا تبرز تلك الأشياء فيها ، إلا على طريق الحكمة ، في القالب الإنساني . آفة هذا المنظر : احتجابه بالجلال عن الكمال . * * * منظر ( الكمال ) يتجلى الحق تعالى ، في هذا المنظر ، على العبد بأسماء المرتبة ، فيكشف له عن التجلي الرحماني من فوق عرش الربوبية ، فيتصف بصفة الاستواء . في هذا المنظر : تتعشق الأمور الكمالية بالعبد ، تعشقا ذاتيا ، فتكون ذاته مستوعبة للكمالات ، من حيث اقتضاءاتها ، فلا كمال ، ولا جمال ، ولا جلال ، ولا نعت ، ولا صفة ، ولا أمر علي ، ولا مشهد جلي ، إلا وهو مضاف إلى صاحب هذا المنظر . وفي هذا المحل : يعطى العبد من مفاتيح الغيب ، التي هي عند اللّه تعالى ، على قدر قوة قابلية روحه ، وتحققه فيما اتصف به . لأن هذا العبد قد صار في مقام العندية ، بالنون ، ومن كان عند اللّه في هذه العندية ، آتاه اللّه تعالى ذلك ، كما فعل مع نبيه ، صلى اللّه عليه وسلم ، حين أتاه جبريل بمفاتيح خزائن الأرض ، فاختار الفقر . ومفاتيح خزائن الأرض من جملة مفاتيح الغيب ، لأن خزائنها غيب .