عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
50
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
منظر ( الإيمان ) للإيمان منظر من تجلى اللّه تعالى عليه به ، أدرك به سائر العلوم والأسرار ، ووصل إلى سائر المقامات العلية ، وقطع به سائر المنازل ، بنفس واحد . فلا يفوته علم ما يورده عليه ، بأي طريق أورد به عليه ، ولا يتغرب عليه حكمه ، ولا صنيعه ، ولا عمل . فيكاد أن يحيط بتفاصيل الأشياء لسعة فلكه ، ووفور حظه من اللّه تعالى . وكنت قد سطرت كلمات في هذا المنظر ، من قبيل ما يجده صاحب هذا المنظر ، وأسندته على حسب ما فتح اللّه به علي ، فيما بيني وبينه تعالى . فوجدت هذا لا يكاد العقل يقبله ، وربما علمت به نزاعا من بعض علمائنا في ذلك . فاستخرت اللّه تعالى ، وعزمت على ذلك ، وعلمت أن اللّه تعالى لم يكتم ذلك ، إلا غيرة عليه ممن ليس من أهله . وجملة حاصل ما كان غرضي أن أثبته ، في هذا المنظر ، هو أن يعلم أن اللّه تعالى جعل هذا المنظر هيولى سائر المناظر . فجعل له هيمنة على المناظر الإلهية . فمن تجلى عليه في هذا المنظر وحصل له كمال الإيمان ، لا يحجب عنه سر ، ولا يرد له أثر ، وكان هو الإنسان الكامل ، المحيط بالأواخر والأوائل . ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن » « 1 » . ولم يقل : « اتقوا فراسة المسلم » ، ولا « فراسة المحسن » . لأن الإيمان نور اللّه . ولهذا قال : « . . فإنه ينظر بنور اللّه » « 1 » . آفة هذا المنظر : هو أن الإيمان متعلق بالغائب ، والغائب محجوب عمن غاب عنه . * * * منظر ( الإحسان ) يتحد البصر بالبصيرة ، فيشهدك الحق تعالى أنوار عظمته ساطعة على الوجود ، فيأخذك الصعق ، فحينئذ تبدو عليك شموس الجلال ، وأقمار الجمال ، من فلك الكمال ، على وفق مقتضى الحال ، مما لا يدخل تحت المقال . فتشهدها ببصيرتك ، كأنك ناظر إليها بالبصر ، لاتحادها بقوة أحدية نور اليقين .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في جامعه الصحيح ، باب ومن سورة الحجر ، برقم ( 3126 ) [ ج 5 ص 298 والطبراني في المعجم الأوسط ، برقم ( 3254 ) [ ج 3 ص 312 ] ورواه غيرهما .