عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
37
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
- وأما النوع المتوسط : فهو أن يحصل الإخبار الإلهي للعبد من غير أن يكشف له عن سره ، الذي تستعد به القابلية على قبول الفيض اللائق بذلك المقام ، الموعود به له . فهذا يحتمل فيه الوصول إلى ما وعد به على طريق الملك ، ويحتمل فيه الوصول على طريق العارية ، ويحتمل فيه الوقوع على الأمر إجمالا : فقد شاهدنا فقيرا ، قيل له : ستبلغ إلى مقام القطبانية ! ثم مات قبل ذلك ، ولم ينل ذلك المقام ، وقريبا منه . على أن هذا الفقير كان وارده حقا ، لا ريبة فيه ، ولكنه وصل إلى تجلي اسم إلهي ، وتجلي اسم اللّه تعالى : قطب رحا العالم . لأن العالم بأجمعه ، لا يدور إلا على تجلي أسمائه وصفاته . عبر له عن ذلك التجلي ، بمقام القطبية ، وقد بلغه ، وكان عنده من مفهوم البشارة خلافها . - وأما النوع الثالث من البشائر : فهو ما يرد عليك ، في هذه الأنواع من البشارة ، بطريق مخاطبات الملائكة ، أو منام تراه ، أو يرى لك ، أو بتصريح ولي ، جرت سنة اللّه أن تصدقه في كشفه . وأخبار الولي أعلى من أخبار الملك ، ومن سائر الرؤيا . آفة هذا المنظر : هو أن البشائر لا تكون إلا قبل حصول الشيء ، وهذا نقص في حق الكمل ، فإن الكامل لا يفوته شيء . فمتى ورد عليك شيء من أنواع البشائر ، فاعلم أنه لضعف فيك ، أو نقص عندك . وليس ذلك دأب فحول أهل اللّه تعالى ، فافهم ! . * * * منظر ( النذائر ) يطلع العبد ، في هذا المنظر ، على تقلبات القلوب ، وما تقتضيه كل تقليبة من البعد عن اللّه تعالى . ويتحقق بعلم الآخرة : فينظر الأعمال جميعها ، حللا وملابس على ذات العامل . ويرى الأخلاق كلها ، صورا لصاحبها . ويطلع على زيغ القلوب والأبصار ، لشدة وقوع أهوال الآخرة . ويرى ما فيه من المواضع ، التي تقتضي الخوف لأجلها ، فترد عليه ملائكة المقام ، بأنواع النذائر . وتبصره بأحوال طريقه ، فيحصل عنده من الخوف ، ما يكاد أن يذيب كبده ، وشحمه ، وكلاه . فيموت من يموت في هذا المقام ، لشدة الخوف ، ويختل من يختل عقله ، ويرجع من يرجع ، من المعارف ، إلى السلوك . ويحفظ اللّه من أراد تكميله .