عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
30
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
وتارة يسمع من جهة ، على لسان الخلق ، ويعلم أن اللّه هو المتكلم ، فيعتقد عدم الجهة ، ولو سمع من جهة . يقع ذلك عنده لضرورة كلام اللّه تعالى ، كما في النار ، والشجرة الموسوية . وهذا النوع يسمى ( المخاطبة ) . وتارة يسمع من جهة ، لكن لا على لسان الخلق ، بل يسمع كلام الحق ، من الحق ، بالحق . وهذه الجهة غير مفيدة بالجهات الست المخلوقة ، بل هي من جهة القدس الأعلى ، المنزّه عن الجهة المخلوقة ، تعالى شأن من هي له . وهذا النوع يسمى ( المحادثة ) . وتارة يسمع من قلبه كلاما ، يعلم أن اللّه هو المتكلم به ضرورة . وهذا النوع يسمى ( المسامرة ) . وسيأتي بيان هذه الأنواع ، فيما بعد ، إن شاء اللّه تعالى . وقد بيّنّا أنواع المكلمين ، في كتابنا الموسوم ب ( الإنسان الكامل ) ، وشرحنا كيفية أحوالهم في مناظرهم . فمن أراد معرفة ذلك ، فليطالع فيه . وفي هذا المشهد : غيبت عني ، فسمعت بكليتي ، لكن باللّه تعالى ، وأنا يومئذ مبتدىء في سلوك طريق القوم . سمعت : يا فلان ! أنت محبوبنا ، وكل أحبّنا وطلبنا . ولكن ، نحن أحببناك ، وطلبناك ! فبعد أن رجعت إلى محسوساتي ، أخذني هيمان لشدة ما بقي عندي من حال أثر تلك اللذة ، فقعدت عن الطعام والشراب ، ما شاء اللّه . وكنت أحيانا إذا طرأ ذلك علي ، يحصل عندي ، بعد رجوعي إلى الحس ، مثل ما كان يحصل علي في مغيبي . وكنت أظنه من جنسه ، فلما كشف الغطاء ، تحققنا أن الحاصل عندنا ، بعد الرجوع إلى الإحساس ، إنما هو من مخاطبات الروحانيين العلويين ، كان يشتبه علي ، لعدم التمييز . فالحذر ، الحذر ، من الوقوع في مثل هذا التشبيه والبقاء عليه . آفة هذا المنظر : هو أن المكالمة ، وسائر ما تحتها ، من هذه الأنواع ، لا تكون إلا عن حجاب . ولا يمكن حصول المشاهدة ، والمكالمة ، في حالة واحدة . وسبب ذلك : أن المشاهدة تقتضي الفناء والانعدام . والمكالمة تقتضي الوجود والبقاء . ويبقى من الشخص ما يسمع به ، فلا تكون المكالمة إلا من وراء حجاب . قال اللّه تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشّورى : 51 ] . * * *