عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
20
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
وهذا المنظر تفصيل المنظر الذي قبله : فإن المشاهد في ذلك المشهد الأول ، لا يقع عنده من حضرة الحق إلا الإجمال . وفي هذا المشهد ، يقع عنده تفصيل ذلك . فمثل صاحب هذا المنظر المتقدم ، مثل من علم أن ملك الروم موجود ، وأنه في حضرته ، فيتصور ذلك الأمر إجمالا . ومثل صاحب هذا المشهد ، مثل من يطلع على حال الملك ، بين عساكره ، وحشمه ، فيتصور عنده من ضروريات هيبة الملك ، ما يتصور ، على قدر قوة القابلية . آفة هذا المنظر : هو ذهوله عن المتجلي في المنظر ، بحال المنظر . فيشتغل بالمقام ، عن صاحب المقام . وما ذاك إلا لأنه لا يرى إلا المقام ، والحضرة ، لا صاحب الحضرة . وسر ذلك : كون هذا المنظر ، أثر عكس المنظر الإلهي ، لا لنفسه . فإن الحضرة الإلهية يسطع نورها على سر العبد ، فيقع خيال ذلك ، وعكسه ، في قلبه ، فلا يشاهد إلا الخيال ، والعكس ، لا نفس الصورة . ومن هذا المنظر ، ينتقل إلى ما بعده : وهو ( منظر التجلي على إطلاق ) . ولا يصح له من هذا المنظر إلا رائحة مما فوقه . وكل المناظر بهذه المثابة : لا تصح إلا بلمعات مما فوقها . * * * منظر ( التجلي على الإطلاق ) إذا استقام قلب العبد ، في حضرة الإيمان ، بتصور ما للّه تعالى ، يطفح على قلبه ، من قلبه نور شعشعاني ، فيتجلى عليه ، من باطن ذلك ، معنى إلهي ، فيقع عنده ، بالضرورة ، أنه نور تجلّ إلهي ، فيذهب حينئذ عن محسوساته ، إلى ذلك النور ، ويؤخذ فيه عن سائر معلوماته . وقد تتواتر عليه سطعات الأنوار ، فيشاهدها بعين رأسه ، لاتحاد البصر بالبصيرة . كما تتشكل الأمور الخيالية ، أحيانا ، في الحس ، فيشاهدها الناظر ببصره . وفي هذا المنظر تكون البواده ، واللوامع ، والبوادي ، والسواطع ، واللوامح ، في أول الأمر . فإذا تواترت عليه ، وأعقب المثل مثلا ، فقد استقام قلبه في هذا المشهد . وفي هذا المشهد يفتح عليه من العلوم والواردات : علم توحيد الحق تعالى ، وتلاشي العالم . ويكون لديه من المعارف علم توحيد الظاهر في المظاهر .