عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
15
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
فصل أردنا أن نضع ، في هذا الموضع ، أصولا ، تصون الناظر في هذا الكتاب ، عن الزيغ والزلل ، وتمنعه عن الخطأ والخطل ، فإنه ما كل أحد من الطالبين ، تكون عنده القواعد من أصول الدين . فقلنا لك ، أيها الأخ ! اعلم ، وفقك اللّه تعالى : أن الحقائق ، هي أصول الشرائع ، وأن الشرائع ، هي أصول المطالب لمعرفة الحقائق . فلا بد لمن يقصد معرفة علمنا هذا ، إما تعلما كسبيا ، أو بطلبه من طريق الإلهام ، بشروطه : أن يقيس العلوم الواردة إليه ، على الأصول المشروعة ، التي قد ثبتت بالكتاب والسنة والجماعة . فما وجده من تلك العلوم موافقا للشريعة ، اعتقده ، وتحلى به . وما وجده مخالفا توقف عن استعماله ، إلى أن يفتح اللّه تعالى بما يؤيده من الشريعة ، فيستعمله حينئذ . ومن ثم قال الإمام الأكبر « 1 » : كل حقيقة لا تؤيدها شريعة ، فهي زندقة . يريد : أن كل علم يرد عليك من الحقائق التي لا تؤيدها الشرائع ، فاستعمال ذلك العلم زندقة منك . لأنك تفعل خلاف الشرائع . لا أن الحقائق فيها زندقة ، إذ ليس في الحقائق مسألة إلا وقد أيدها الكتاب والسنة . فينبغي أن نجعل لك أصولا أربعة : الأصل الأول تعتقد : أن اللّه تعالى قديم ، واحد ، لا شبيه له ، ولا مثل له ، ولا شريك له ، غير ملحق بالإمكان . ولا مسبوق بالعدم . ليس بجسم ، ولا روح ، ولا معنى ، ولا صورة . هو شيء لا كالأشياء . لا يحل شيئا ولا يحله شيء ، ولا يمازج شيئا ، ولا يمازجه شيء . منزّه عن الجهة ، والحد ، والحصر . أزلي ، أبدي . الأصل الثاني تعتقد : أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، أفضل المقربين ، وأكمل رسل رب العالمين . جاء بالحق المبين ، ونطق بالصدق اليقين . لم يترك مكرمة ، إلا وقد نبّه عليها بأنواع التنبيهات . ولم يدع قربة ، إلا وقد دعا إليها بأنواع الدلالات . خاتم المرسلين ، وتاج المقربين ، صلى اللّه عليه ، وعلى آله ، وصحبه ، أجمعين .
--> ( 1 ) يقصد الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي . وفي نسخة [ الأكمل ] بدل [ الأكبر ] .