عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

145

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

ومن ذلك ، الاغتراب تباب . . من الباب ( 237 ) : الغربة مفتاح الكرب ، ولولاها ما كانت القرب . القريب هو الغريب ، وهو الحبيب ، ولا يقال في الحبيب أنه غريب ، هو للمحب عينه ، وذاته ، وأسماؤه ، وصفاته . لا نظر له إليه ، فإنه ليس شيئا زائدا عليه . ما هو عنه بمعزل ، وما هو له بمنزل . قيل لقيس ليلى : من أنت ؟ قال : ليلى ! قيل له : من ليلى ؟ قال : ليلى ! فما ظهر له عين في هذا البين ، فما بقي اغتراب ، فإنه في تباب ؛ فقد عينه ، وزال كونه . العشّاق ، لا يتصفون بالشوق والاشتياق ، الشوق إلى غائب ، وما ثمّ غائب . من كان الحقّ سمعه ، كيف يطلبه ؟ ومن كان لسانه ، كيف يعتبه ؟ فأين تذهبون ، وما ثمّ أين عند من تحقّق بالعين . * * * ومن ذلك ، من شرب طرب . . من الباب ( 256 ) : لا يطرب الشارب ، إلا إذا شرب خمرا ، وإذا شرب خمرا فقد جاء شيئا إمرا ؛ لأنه يخامر العقول ، فيحول بينها وبين الأفكار ، فيجعل العواقب في الأخبار ، فيبدي الأسرار برفع الأستار . فحرّمت في الدنيا لعظم شأنها ، وقوة سلطانها . . وهي لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ محمّد : 15 ] حيث كانت ، ولهذا ، عزّت وما هانت . في الدنيا محرّمة ، وفي الآخرة مكرّمة . هي ألذّ أنهار الجنان ، ولها مقام الإحسان . عطاؤها أجزل العطاء ، ولهذا يقول من أصابه حكمها ، وما أخطأ : فإذا سكرت فإنّني * ربّ الخورنق والسّدير « 1 » وهو صادق . . وإذا فارقه حكمها ، وعفا عنه رسمها ، يقول - أيضا - ويصدق ، وقال الحق : وإذا صحوت فإنّني * ربّ الشّويهة والبعير « 1 »

--> ( 1 ) البيتان من مجزوء الرجز وتفعيلته : مفتعلن مفاعلن وهما للشاعر الجاهلي المنخّل بن مسعود اليشكري من بني يشكر ( ؟ - 26 ق . ه ) .