عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

131

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

شمعة وأقلبتها ، لا تنقلب نارها معك ، بل ترجع إلى فوق بالطبع ؛ لأن الركن الناريّ يتعالى طبعا . وبعكسه التراب ، لا يطلب إلا السفل ؛ فلو أخذت كفّا من تراب ، ورميت به إلى فوق ، لرجع إلى أسفل بالطبع . ولهذا ؛ كان الإنسان مؤتمرا طيعا ، والجان مخالفا عاصيا . فإن عرضت معصية من الإنسان ، كانت تلك الغفلة منه عارضة ، لما يقتضيه طبعه . كما أنه لو عرضت طاعة من الجان ، كانت تلك الطاعة عارضة ، لما يقتضيه طبعه ، ومن ثمّ ، تاب اللّه على آدم ، ولم يتب على إبليس . لأن إبليس من طبعه المعصية ، ألا تراه تكبّر وقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ الأعراف : 12 ] في حضرة الحق ، ولم يصدر من الإنسان - الذي هو آدم - إلا البكاء ، والندم ، والخوف ؛ لما يقتضيه التراب من الذّلّة والسّفل . فلهذا المعنى ؛ لعن إبليس ، لأنه محل المعصية والخلاف . وهو المشار إليه بقوله : أول جواد كبا ، حين أمر فأبى . يعني : إبليس هو أول من خالف اللّه . ونعته بأنه « جواد » ، لأنه كان قبل ذلك من المقربين . فإبليس أول من خالف في الأمر ، وآدم - عليه السلام - أول من خالف في النّهي . لأنه قيل له لا تأكل الحبّة ، فأكل ؛ وإبليس قيل له اسجد ، فما سجد . فالخلاف واقع منهما ، لا من جهة واحدة ، بل من جهتين . ولذلك ؛ قال الشيخ : وأول من قدح في النّهى من نهي وما انتهى . يعني : آدم عليه السلام ، نهي من أكل الجنة ، فما انتهى عن ذلك ؛ فكان فعله قدحا في العقل ، لأن امتثال المولى ، مما يحكم العقل بلزومه ؛ فخلافه ، قدح في عقل المخالف طبعا . وإنما وقع الخلاف في هذين الجنسين - دون سائر الأجناس - لأن الظهور في تركيبهم لركنين . على أن بقية الأركان موجودة في كل جنس منهما ؛ فالجنّ من النار والهواء ، والإنسان من الماء والتراب ، والخلاف واقع بين النار والهواء ، لأن النار « يابس » والهواء « رطب » ؛ وبين الماء والتراب ، لأن التراب « يابس » والهواء « رطب » . فغلب حكم الخلاف في ذوات هذين الجنسين - دون غيرهما - لأن كل موجود سواهما ، غير مخصوص بركنين ، بل يتساوى فيه الأربعة أركان ، جمعا وفردى ، وكلّ من الجان والإنسان أيضا ، توجد فيه الأركان الأربعة ؛ لكن الظهور في كلّ منهما ، لركنين ، كما ذكرنا . فلهذا خالفوا ، لأن طبع تركيبهم يقتضي المخالفة . وإلى ذلك أشار الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : سنّ الخلاف في الائتلاف ، فأظهر النقض ليعرف الحبيب من البغيض . جعل اللّه الخلاف مسنونا في طبع تأليف الإنسان والجان ، وطلب منهما ما