عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
118
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
على كل فرد من أفراد هذا النوع الإنساني . وتشبّهت هذه الروح بيوح ، وهو اسم من أسماء الشمس ، والمراد به هنا الحق تعالى ، لأنه نور السماوات والأرض . فالإنسان ، هو « المثل » الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : 11 ] ، في الأرض ولا في السماء ، لكونه نسخة كاملة جامعة شاملة . وقد صرّحنا في كتاب « الكمالات الإلهية » عن حقيقة هذه النسخة وكيفية معناها ، وكشفنا عن ذلك أيضا على التفصيل - بعبارة مبسوطة - في كتابنا الموسوم « بإنسان عين الوجود ووجود عين الإنسان الموجود » فمن أراد تحقيق هذه المعرفة ، فليكشف عن محلها من هذين الكتابين . . وسأذكر لك من ذلك طرفا جامعا ، وهو : إن اللّه تعالى ، لما أحبّ الظهور من ذاته لذاته ، بمقتضى ذاته ؛ قسّم ذاته قسمين - من غير تعدّد في العين - فسمى أحد القسمين بالواجب ، والقديم ، والرب ، والفاعل . وسمى القسم الثاني بالممكن ، والمحدث ، والعبد ، والمنفعل . فأول ما أظهر من ذلك القسم الثاني ، محل حكميّ سماه بالهباء والهيولى والقدرة ؛ لأن العالم كله متحيّز ، ولا بد للمتحيّز من مكان يحلّه . فإن كان المكان مخلوقا ، فقد دخل في حكم العالم ، ولا بد له من مكان ؛ هكذا إلى أن يتسلسل ، أو يدور ، أو ينتهي لمحلّ حكم لا يقال إنه خلق ، ( لئلا لغيره ) « 1 » ؛ كما أن غيره لا يكون ظرفا له . فالهباء ، هو الحقّ المخلوق ، وتقيّد الحقّ هنا بالخلقية في هذه المرتبة ، من أجل ذلك الانقسام . وهذا المعنيّ بالهباء ، هو الهيولى المعبّر عند المحقّقين عنها بالعقل الأول والروح المحمدية والقلم الأعلى . فكانت الحقيقة المحمدية ، أول مخلوق . وكانت على النسخة الإلهية ، صورة ومعنى . . أما من حيث الصورة ، فكما أن الوجود المخلوق صورة الحقّ ، والحقّ روحه ؛ ذلك الإنسان ، قد خلق اللّه فيه نسخة كل شيء من صور الموجودات وحقائقها - جملة وتفصيلا - فهو على صورة الخلق ، لأن العالم صورته . وأما كونه على النسخة المعنوية للحق - أيضا - فلأنك تجدك قابلا لكل اسم وصفة على التمام والكمال ، فقل في الأسماء الذاتية أولا إنك « أحد » ذا أحديّة غير مجهولة في كل شيء ، لأنها عبارة عن صرافة ذات الشيء ، بالنظر إليه من حيث هو ذاتيّ . . فمتى عرفت أنك هو ، كانت هذه الأحدية - التي ذكرتها لك - نفي أحدية
--> ( 1 ) غير واضحة في الأصل .