عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

116

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

أشار إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم ، لشيخ رآه من بعيد : « كن زيدا » « 1 » فكان ذلك الشيخ زيدا ، أخو عمر بن الخطّاب ، أرسله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وترقّب وصوله ؛ وحكايته مشهورة « 1 » . والمراد : أن من كان متحقّقا بربه - روحا وجسما ، وصورة ومعنى - تكوّن ذلك الشيخ فصار زيدا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : كُنْ [ النّحل : 40 ] ولم يقل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : 1 ] لأن بِسْمِ اللَّهِ [ الفاتحة : 1 ] مرتبة العارف ، و كُنْ [ النّحل : 40 ] مرتبة اللّه ، والمحقّق هو اللَّهِ [ الفاتحة : 1 ] ليس المراد بهذا الاسم غير المحقّق ، ولا غير اللّه تعالى . وقوله : فَكانَ [ الأعراف : 175 ] ضميره راجع إلى ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كُنْ [ النّحل : 40 ] وفاعل « لم يحوقل » راجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي : لم يقل لا حول ولا قوة إلا باللّه . لأن ذلك مرتبة العارف الذي رجع إلى اللّه تعالى بالفناء عن صفات نفسه وأفعالها ، بل وعن ذات نفسه ؛ واللّه راجع إلى المحقّق ، رجوع العارف إلى اللّه . فالعارف قائم باللّه ، واللّه قائم بالمحقّق . فلهذا ، لم يقل المحقّق لا حول ولا قوة إلا باللّه ، كما يقول المحقّق . فمن ذاق ، من شراب التمكين بالذات في تحقيق إظهار معاني الأسماء والصفات ؛ ضاق مسلكه ، لأنه حينئذ يسير بالذات ، والذات ظلمة لا طريق فيها لسالك . وإلى هذا المعنى أشار سيدي محيي الدين عبد القادر الجيلاني ، رضي اللّه عنه ، بقوله : كلّ الأولياء لمّا وصلوا إلى القدر وجدوه مصمتا فوقفوا ، إلا أنا ، فتحت لي فيه روزنة ، فولجت فيها ، فدافعت أقدار الحقّ بالحقّ . . هذا معنى ؛ وإن شئت قلت : من ذاق ألوهية الحقّ في الحقّ ، ضاق عن قبوله بحكم الخلق بالكلية ؛ فإن في ذلك فقدانه للربوبية ، إذ ليس من الكمال ترك الربوبية للعبودية ، فيضيق المحقّق عن كمال التنزيل إلى العالم الخلقي من كل جهة . فإذن : يكون حقّا مع حقيقته بالذات ، وخلقا مع خليقته بالأسماء والصفات والشؤون والاعتبارات والنسب والإضافات ، فمعيّته مع الحق والخلق ، خير معيّة ، الحق سبحانه وتعالى ! ولم يقر بهذه النكتة - حالا - إلا كامل في هذه الدار ، وحقيقة الأمر ؛ رجوع الكلّ إلى هذا المعنى .

--> ( 1 ) في الحديث « كن أبا خيثمة » انظر تفصيل القصة في صحيح مسلم ، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ، حديث رقم ( 2769 ) [ ج 4 ص 2120 ] ، وفي صحيح ابن حبان ، ذكر الأمر للمرء بترك صدقة ماله . . ، حديث رقم ( 3370 ) [ ج 8 ص 155 ] وروى القصة غيرهما .