عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
113
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
فركوب كل اسم علما ، على صفة منصّته ؛ وتركيب كل صفة منصّة ، على شأن إلهي ، فقال تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الأعراف : 180 ] لأن الشيء في نفسه ، لا يحتاج إلى اسم يميّز به نفسه لنفسه . هذا إذا كان ثمّ موجود آخر ، فكيف إذا لم يكن ثمّ غيره ؟ فبالأولى . ولما لاح هذا المعنى لبصائر المعتزلة ، من حيث أنهم لم يشعروا به ، ذهبوا إلى أن القدم للذات فقط ، ليس لشيء من الصفات عندهم قدم في القدم ؛ فقالوا بأن جميع الأسماء والصفات الإلهية مخلوقة . وفاتهم نصف المعرفة باللّه ، كما فات من قال بأنها قديمة على الإطلاق ، لقدم الذات ، ولم يجمع بين الحكمين ، إلا عارف باللّه . ولا يكون ذلك ، إلا لمن أشهده اللّه حقائق الأشياء ، فعرفها ، وعرف مجاليها - على ما هي عليه جملة وتفصيلا - فعرف كيف ينسب كل اسم أو صفة إلى اللّه ، فيحكم بأنه قديم ؛ وكيف ينسبه إليه ، فيعرف بأنه - أي الاسم والصفة - محدث . ولم يقف على وجه دون آخر ، لأن الحقّ هو الجمعية . وبعد هذا ، عرضت الشّبه المضلّة . يعني : عرضت على العقول أمور ، يعطي بعضها الاشتباه بالحقّ ، فضلّت أهل تلك العقول عن الطريق الإلهي الذي هو له تعالى . على أن الطريق المضلّة ، أيضا ، له وإليه ، لكن هذه على العموم وبحكم الوسائط البعيدة ، وتلك على الخصوص وبالوسائط القريبة ، وقد شرحنا لك في هذه النبذة جميع ما أراده الشيخ رضي اللّه عنه ، ونبّه عليه في الباب الرابع من كتاب الفتوحات . واللّه الموفق . * * * الباب الخامس الأمر دوريّ ، يعود إلى ما بدأ ! قال الشيخ رضي اللّه عنه : ومن ذلك . أي ، ومن بعض ما تضمنه هذا الباب من فنون العلم المشار إليه آنفا . سرّ كن والبسملة ، فيمن علّله . قد قلنا لك آنفا ، إن البسملة عبارة عن كلمة كُنْ [ النّحل : 40 ] ، لأن اللّه تعالى كما أظهر الموجودات بواسطة الكلمة ، كذلك أظهر سرّ كتابه الكريم بواسطة البسملة . فالكتاب كله ، نسخة جميع الوجود ؛ والفاتحة نسخة الإنسان ، والبسملة نسخة كلمة الحضرة . ولهذا ، سنّ