عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

102

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

مما لكل حرف من التصرّف . لأن الحرف ، وإن شئت قلت الإنسان الكامل : كائن بائن . يصحّ أن يقول عن الإنسان الكامل إنه « كائن مع الحقّ ، بائن عن الخلق » ويصح أن يقول « هو كائن مع الخلق ، بائن عما هم فيه » كما أن الحرف كائن في رتبة الإحاطة ، بائن عن حكم القيد بالإحاطة ؛ لكونه يفعل بحقيقته في الغيب ، فهو غير محصور على ما يشهده من صورته . ومن ثمّ ، قال عن الحروف - وإن شئت قلت عن الإنسان الكامل ، بل هو الإنسان - راحل قاطن . أي راحل عن المراتب الخلقية ، قاطن في المراتب الإلهية . استوطن الخيال ، فأقام في عالم ؛ معناه : وهو محل العلم باللّه . وافترش الكتاب ؛ يعني : لما كان في باطنه ساكنا مع ربه ؛ افترش الكتاب ، يعني اتخذ الصفات والأسماء الإلهية ، فرشا له في موطن كماله ، يتقلّب عليها . واستوطأ اللسان ، بتحقيق القدرة والإرادة ، في نفوذ الأمر بكلمة : كُنْ [ النّحل : 40 ] حيث يريد . واعتبر هذه المعاني للحروف الرقمية واللفظية والخيالية ؛ فالخيالية مستوطنة الخيال ، لأنها لا تكون إلا في عالم الخيال ، فلا تخرج عنه ؛ والرقمية افترشت الكتاب ، لأنها متلوّة ، فلا تكون إلا في الصحف ؛ واللفظية استوطأت اللسان ، فلا تظهر إلا بواسطته . وقس على ذلك ، كلّ الأقسام الثمانية . وقد شرحنا في هذه النبذة ، جميع ما حواه الباب الثاني من كتاب الفتوحات ، في الحروف وغيرها ؛ ونبّهناك على ما هو المقصود من ذلك . * * * الباب الثالث ما ثمّ أمر فاصل بين اللّه وبين العالم قال الشيخ رضي اللّه عنه : ومن ذلك . أي ، ومن بعض ما تضمّنه هذا الباب من العلوم المذكورة : سرّ التنزيه النزيه . التنزيه النزيه ، هو تنزيه الحقّ تعالى لنفسه ، كما يعلمه لذاته . وهذا التنزيه لا يقابله تشبيه ، بل هو منزّه عن مقابلة التشبيه . فتنزيهه لا نعلمه ولا نعقله ، لأن كل تنزيه ننزّهه به ، إنما هو منوط بضدّية التشبيه . فهو إذن يتعالى عن تنزيهنا له ، فتنزيهه منزه عن التنزيه والتشبيه . ولأجل ذلك ، قال : التنزيه تحديد المنزّه . لأنك عندما تريد أن تنزّهه عن معنى التشبيه ، ليحصل بذلك ما تريده من التنزيه ؛ وبهذا الفعل تحصره على ما يضاد