عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
337
الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 1 » . فالعلم كله مسخر للإنسان مخلوق من أجله ، والإنسان هو الأصل في ذلك . ولا اعتبار بخلق السماوات والأرض والملائكة قبل خلق الإنسان . فإنما جرت سنّة اللّه بذلك أن يخلق الشجرة قبل الثمرة . والثمرة هي المقصودة من الشجر . ألا تراه كيف يخلق الجسم في الرحم ، قبل نفخ الروح فيه . فكذلك العالم بالمثابة جسم والإنسان روحه ، فالأصل هو الروح والجسم غير مطلب لنفسه ، ألا تراه يفنى الجسم ، والروح باقية . كما يفنى العالم ( الدنيا ) والإنسان باق . في الدار الآخرة فكذلك كل العوالم فرع في المعنى على الإنسان ، وهو الأصل . فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الإنسان عالم كبير في نفسه ، وفيه مضاهاة لكل شئ من الأشياء الموجودة في العالم الكبير ، جملة وتفصيلا . فأول مضاهاته هي المضاهاة العلوية ولأجل ذلك نذكرها أولا . ثم نرجع إلى مضاهاه العالم السفلى . إن شاء اللّه تعالى . فاعلم : أنه يضاهى العرش بقلبه ، وقد قال ( عليه السلام ) « قلب المؤمن عرش اللّه تعالى » « 2 » ويضاهى الكرسي بنفسه ، ويضاهى اللوح بمخيلته . فكما أن صور الموجودات ظاهرة في اللوح كذلك هي ظاهرة في مخيلة الإنسان منطبعة فيها بالقبلية الأصلية . ويضاهى القلم بعقله الكلى . فكما أن القلم يثبت في اللوح مقادير
--> ( 1 ) الآية رقم ( 13 ) من سورة الجاثية مكّية . ( 2 ) حديث : ( قلب المؤمن عرش اللّه تعالى ) لم أقف عليه .