عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
94
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الحسن الإلهي إبراز جنس الحسن على وجه حسنه لحفظ مرتبته من الموجود . اعلم أن القبح في الأشياء إنما هو للاعتبار لا لنفس ذلك الشيء ، فلا يوجد في العالم قبح إلا باعتبار ، فارتفع حكم القبيح المطلق من الوجود فلم يبق إلا الحسن المطلق . ألا ترى إلى قبح المعاصي إنما ظهر باعتبار النهي ، وقبح الرائحة المنتنة إنما ثبت باعتبار من لا يلائم طبعه ، وأما هي فعند الجعل ومن يلائم طبعه من المحاسن . ألا ترى إلى الإحراق بالنار إنما كان قبيحا باعتبار من يهلك فيها ويتلف ، وإنما هي عند السمندل من غاية المحاسن ، والسمندل طير لا يكون حياته إلا في تلك النار ، فما في العالم قبيح ، فكل ما خلق اللّه تعالى مليح بالأصالة لأنه صور حسنه وجماله ، وما حدث القبيح في الأشياء إلا بالاعتبارات . ألا ترى إلى الكلمة الحسنة في بعض الأوقات تكون قبيحة ببعض الاعتبارات وهي في نفسها حسنة ، فعلم بهذه المقدمات أن الوجود بكماله صورة حسنة ومظاهر جماله ، وقولنا إن الوجود بكماله يدخل فيه المحسوس والمعقول ، والموهوم والخيال والأول والآخر والظاهر والباطن والقول والفعل والصورة والمعنى ، فإن جميع ذلك صور جماله وتجليات كماله . وفي هذا المعنى قلت في قصيدتي العينية : تجليت في الأشياء حين خلقتها * فها هي ميطت عنك فيها البراقع قطعت الورى من ذات حسنك قطعة * ولم تك موصولا ولا فصل قاطع ولكنها أحكام رتبتك اقتضت * ألوهية للضد فيها التجامع فأنت الورى حقا وأنت إمامنا * وأنت الذي يعلو وما هو واضع وما الخلق في التمثال إلا كثلجة * وأنت بها الماء الذي هو نابع وما الثلج في تحقيقنا غير مائه * وغير أن في حكم دعته الشرائع ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه * ويوضع حكم الماء والأمر واقع تجمعت الأضداد في واحد البها * وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع فكلّ بهاء في ملاحة صورة * على كلّ قد شابه الغصن يانع وكل اسوداد في تصافيف طرّة * وكل احمرار في العوارض ناصع وكل كحيل الطرف يقتل صبه * بماض كسيف الهند حالا مضارع وكل اسمرار في القوائم كالقنا * عليه من الشعر الرسيل شرائع