عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
82
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
باسم العالم دون العليم والعلام ، فيقال فلان عالم ولا يقال عليم ولا علام مطلقا . اللهم إلا إن قيد فيقال فلان عليم بأمر كذا وكذا ، ولم يرد علام بأمر كذا ولا علام مطلقا ، فإن وصف شخص بذلك فلا بد من التقييد ، فيقال : فلان علام في فنّ كذا ، وهذا على سبيل التوسع والتجوّز ، وليس قولهم فلان علامة من هذا القبيل لأن ذلك ليس باسم اللّه فلا يجوز أن يقال إن اللّه علامة فافهم . واعلم أن العلم أقرب الأوصاف إلى الحيّ كما أن الحياة أقرب الأوصاف إلى الذات ، لأنا قد بينا في الباب الذي قبل هذا أن وجود الشيء لنفسه حياته وليس وجوده غير ذاته ، فلا شيء أقرب إلى الذات من وصف الحياة ، ولا شيء أقرب إلى الحياة من العلم ، لأن كل حيّ لا بد أن يعلم علما ما سواء كان إلهاميا كعلم الحيوانات والهوام بما ينبغي لها وبما لا ينبغي من المأكل والمسكن والحركة والسكون ، فهذا العلم هو لازم لكلّ حيّ ، وإن كان بديهيا ضرورة أو تصديقيا كعلم الإنسان والملائكة والجان ، فحصل من هذا أن العلم أقرب الأوصاف إلى الحياة ، ولهذا كنى اللّه تعالى عن العلم بالحياة ، فقال : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ « 1 » يعني جاهلا فعلمناه وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ « 2 » أي : يفعل بمقتضى ذلك العلم كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ « 3 » يعني في ظلمة الطبيعة التي هي عين الجهل لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها « 4 » لأن الظلمة لا تهدي إلا إلى الظلمة فلا يتوصل بالجهل إلى العلم أعني بالجهل الطبيعي ، ولا يمكن الجاهل أن يخرج من الجهل بالجهل كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 5 » أي الساترين وجود اللّه تعالى بوجودهم ، فلا يشهدون من أنفسهم من الموجودات سوى مخلوقيتها فيسترون بذلك وجه اللّه ، ويقولون وصفة أن لا يكون مخلوقا وأن لا يكون مسبوقا بالعدم ولم يشعروا أن الحق سبحانه وتعالى ، وإن ظهر في مخلوقاته فإنما يظهر فيها بوصفه الذي يستحقه لنفسها فلا يلحق به شيء من نقائص المحدثات وإن استند إليه شيء من نقائص المحدثات ظهر كماله في تلك النقائص فارتفع حكم النقص عنها ، فكانت كاملة باستنادها إليه ، فلا يكون من الكامل إلا ما هو كامل ، ولا يستند إلى الكامل إلا ما يلحق به النقص . وفي ذلك قال :
--> ( 1 ) آية ( 122 ) سورة الأنعام . ( 2 ) آية ( 122 ) سورة الأنعام . ( 3 ) آية ( 122 ) سورة الأنعام . ( 4 ) آية ( 122 ) سورة الأنعام . ( 5 ) آية ( 122 ) سورة الأنعام .