عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
72
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فإذا ارتقى فيه ومنه ظهر عليه ما يكتمه ، وفي هذا التجلي سمعت صلصلة الجرس فانحلّ تركيبي واضمحل رسمي وانمحى اسمي ، فكنت لشدة ما لاقيت مثل الخرقة البالية المعلقة في الشجرة العالية تذهب بها الريح الشديدة شيئا فشيئا ، لا أبصر شهودا إلا بروقا ورعودا وسحابا يمطر بالأنوار وبحارا تموج بالنار ، والتقت السماء والأرض وأنا في ظلمات بعضها فوق بعض ، فلم تزل القدرة تخترع لي ما هو الأقوى ، وتخترع بي ما هو الأهوى فالأهوى إلى أن ضرب الجلال على سرادق المتعال ، وولج جمل الجمال في سم خياط الخيال ، ففتق في المنظر الأعلى رتق اليد اليمنى ، فحينئذ تكوّنت الأشياء وزال العماء ، ونودي أن استوى الفلك على الجودي أيتها السماء والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين . وفي ذلك قال : تصرّف في الزمان كما تريد * فمولى أنت نحن له العبيد وسل السيف في علق الأعادي * فسيفك في العدا ذكر حديد فهب ما شئت وامنع لا لبخل * ولكن كي تجود بما تريد فمن أسعدته بالقرب يدنو * ومن أشقيته فهو البعيد وملك من تريد من الأماني * وحقر من أردت فلا يسود وأبرم ما عقدت فليس حلّ * واعقد ما برمت هو العقيد ولا تحش العقاب على قضاء * فكلّ تحت سيفك لا يميد لك الملكوت ثم الملك ملك * لك الجبروت والملأ السعيد لك العرش المجيد مكان عزّ * على الكرسي تبدي أو تعيد ومن هذا التجلي : تصرفات أهل الهمم ، ومن هذا التجلي : عالم الخيال وما يتصور فيه من غرائب عجائب المخترعات . ومن هذا التجلي : السحر العالي . ومن هذا التجلي : يتلوّن لأهل الجنة ما يشاءون . ومن هذا التجلي : عجائب السمسمة الباقية من طينة آدم الذي ذكرها ابن العربي في كتابه . ومن هذا التجلي : المشي على الماء والطيران في الهواء وجعل القليل كثيرا والكثير قليلا إلى غير ذلك من الخوارق ، فلا تعجب يا أخي إنما الجميع نوع واحد اختلف باختلاف وجوهه ، فسعد به السعيد وشقي به الطريد فافهم . فقد أشرت لك بهذه النبذة ورمزت في هذه اللغزة أسرارا إن وقفت عليها اطلعت على سرّ القدر المحجوب المصون ، فتقول حينئذ للشيء كن فيكون ، ذلك الذي أمره بين الكاف والنون . ومنهم من تجلى اللّه عليه