عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
69
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد ، وعلم كلّ شيء كيف كان ؟ وكيف هو كائن ؟ وكيف يكون ؟ وعلم ما لم يكن ، ولم لا يكون ما لم يكن ؟ ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون ؟ كلّ ذلك علما أصليا حكميا كشفيا ذوقيا من ذاته ؛ لسريانه في المعلومات علما إجماليا تفصيليا كليا جزئيا مفصلا في إجماله لكن في غيب الغيب ، واللدني والذاتي متنزّل من التفصيل من غيب الغيب إلى شهادة الشهادة ، ويشهد تفصيل إجماله في الغيب ، ويعلم الإجمالي الكلي في غيب الغيب ، والصفاتي ليس له من العلم إلا وقوعه عليه في غيب الغيب ، وهذا الكلام لا يفهمه إلا الغرباء ، ولا يذوقه إلا الأمناء الأدباء . ومنهم من تجلى اللّه عليه بصفة النصر ، وذلك أنه لما تجلى عليه بصفة البصرية العلمية الإحاطية والكشفية ، تجلى عليه بصفة البصر ، فكان بصر هذا العبد موضع علمه ، فما ثم علم يرجع إلى الحقّ ، وما ثم علم يرجع إلى الخلق إلا وبصر هذا العبد واقع عليه ، فهو يبصر الموجودات كما هي عليه في غيب الغيب ، والعجب كلّ العجب أن يجهلها في الشهادة ، فانظر إلى هذا المشهد العليّ ، والمنظر الجليّ ما أعجبه وما أعذبه ، وما ذاك إلا أن العبد الصفاتي ليس بيد خلقه شيء مما بيد حقه فلا اثنينية ، أعني لا يظهر على شهادته مما هو عليه غيبه إلا بحكم الندور في بعض الأشياء ، فإن الحقّ يبرزها إكراما له ، بخلاف العبد الذاتي فإن شهادته غيبه ، وغيبه شهادته فلتفهم . ومنهم من تجلى اللّه عليه بصفة السمع ، فسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات ، وكلام الملائكة واختلاف اللغات ، وكان البعيد عنه كالقريب ، وذلك أنه لما تجلى اللّه له بصفة السمع سمع بقوّة أحدية تلك الصفة اختلاف تلك اللغات وهمس الجمادات والنباتات ، وفي هذا التجلي سمعت علم الرحمانية من الرحمن ، فتعلمت قراءة القرآن ، فكنت الرطل وكان الميزان ، وهذا لا يفهمه إلا أهل القرآن الذين هم أهل اللّه وخاصته . ومنهم من تجلى اللّه عليه بصفة الكلام ، فكانت الموجودات من كلام هذا العبد ، وذلك أنه لما تجلى عليه اللّه بالصفة الحياتية ، ثم علم بالصفة العلمية ما فيه من سرّ الحياة منه ، ثم أبصرها ثم سمعها ، فبقوّة أحدية حياته تكلم . وكانت الموجودات من كلامه ، وحينئذ شهد بكلامه أزلا كما هو عليه أبدا ، أن لا نفاه لكلماته : أي لا آخر لها . ومن هذا التجلي يكلم اللّه عباده دون حجاب الأسماء قبل تجليها . فمن المكلمين من تناجيه الحقيقة الذاتية من نفسه ، فيسمع خطابا لا من جهة بغير جارحة ، وسماعه للخطاب بكليته لا بأذنه ، فيقال له أنت حبيبي أنت