عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
66
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
من البحر ، فشهد ظهوره سبحانه وتعالى في تعدد المخلوقات بحكم واحديته ، فعند ذلك اندكّ جبله وصعق كليمه ، فذهبت كثرته في وحدة الواحد سبحانه وتعالى ، وكانت المخلوقات كأن لم تكن ، وبقي الحق كأن لم يزل . ومنهم من تجلى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه القدوس ، وكان طريقه بأن كشف له عن سرّ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 1 » فأعلمه أن روحه نفسه لا غيره ، وروح اللّه مقدسة منزّهة ، فعند ذلك تجلى له الحق في اسمه القدوس ، ففنى من هذا العبد نقائض الأكوان ، وبقي باللّه تعالى منزّها عن وصف الحدثان . ومنهم من تجلى له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الظاهر فكشف له عن سرّ ظهور النور الإلهي في كثائف المحدثات ليكون طريقا له إلى المعرفة أن اللّه هو الظاهر ، فعند ذلك تجلى له بأنه الظاهر ، فبطن العبد ببطون فناء الخلق في ظهور وجود الحق . ومنهم من تجلى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه الباطن وكان طريقه بأن كشف له عن قيام الأشياء باللّه ليعلم أنه باطنها فعند أن تجلى له ذاته من حيث اسمه الباطن طمس ظهوره بنور الحق ، وكان الحق له باطنا وكان هو للحق ظاهرا . ومنهم من تجلى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه اللّه ، فالطريق إلى هذا التجلي غير منحصر بل إلى تجلي كل اسم من أسماء اللّه تعالى كما سبق بأنها لا تنضبط لاختلاف المظاهر باختلاف القوابل ، فإذا تجلى الحق لعبده من حيث اسمه اللّه فنى العبد عن نفسه وكان اللّه عوضا عنه له فيه ، فخلص هيكله من رق الحدثان وفك قيده من قيده الأكوان ، فهو أحدي الذات وأحدى الصفات لا يعرف الآباء والأمهات ، فمن ذكر اللّه فقد ذكره ومن نظر اللّه فقد نظره ، وحينئذ أنشد لسان حاله بغريب عجيب مقاله : خبتني فكنت فيّ عني نيابة * أجل عوضا بلى عين ما أنا واقع فكنت أنا هي وهي كانت أنا وما * لها في وجود مفرد من ينازع بقيت بها فيها ولا تاء بيننا * وحالي بها ماض كذا ومضارع ولكن رفعت النفس فارتفع الحجا * ونبهت من نومي فما أنا ضاجع وشاهدتني حقا بعين حقيقتي * فلي في جبين الحسن تلك الطلائع جلوت جمالي فاجتليت مرائيا * ليطبع فيها للكمال مطابع
--> ( 1 ) آية ( 29 ) سورة الحجر .