عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

60

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الصورة هي المرادة بالتشبيه ، ولا شك أن اللّه تعالى في ظهوره بصورة جماله باق على ما استحقه من تنزيه ، كما أعطيت الجناب الإلهي حقه من التنزيه ، فكذلك أعطه من التشبيه الإلهي حقه . واعلم أن التشبيه في حق اللّه حكم بخلاف التنزيه ، فإنه في حقه أمر عيني ، وهذا لا يشهده إلا الكمل من أهل اللّه تعالى ؛ وأما من سواهم من العارفين فإنه لا يدرك ما قلناه إلا إيمانا وتقليدا لما تقتضيه صور حسنه وجماله ، إذ كل صورة من صور الموجودات هي صورة حسنه ، فإن شهدت الصورة على الوجه التشبيهي ولم تشهد شيئا من التنزيه ، فقد أشهدك الحق حسنه وجماله من وجه واحد ، وإن أشهدك الصورة التشبيهية وتعلق فيها التنزيه الإلهي ، فقد أشهدك الحق جماله وجلاله في وجهي التشبيه والتنزيه « فأينما تولوا فثم وجه اللّه » « 1 » فنزه إن شئت وشبه إن شئت ، فعلى كل حال أنت غارق في تجلياته ليس لك عنه منفك إذ أنت وما عليه هويتك من حال وعمل ومعنى بأجمعك صورة لجماله ، فإن بقيت على تشبهك الخلقي فأنت تشهد صورة حسنه ، وإن فتح لك عين التنزيه فيك على تشبهك فأنت صورة حسنه وجماله ومعناه ، وإن ظفرت بما وراء التشبيه والتنزيه منك فأنت وراء التشبيه والتنزيه وذلك الذات : فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي واعلم أن للحق تشبيهين : تشبيه ذاتي ، وهو ما عليه من صور الموجودات المحسوسات أو ما يشبه المحسوسات في الخيال : وتشبيه وصفي ، وهو ما عليه صور المعاني الأسمائية المنزّهة عما يشبه المحسوس في الخيال ، وهذه الصورة تتعقل في الذهن ولا تتكيف في الحسّ ، فمتى تكيفت التحقت بالتشبيه الذاتي ، لأن التكيف من كمال التشبيه والكمال بالذات أولى فبقي التشبيه الوصفي وهذا لا يمكن التكيف فيه بنوع من الأنواع ولا جنس بضرب المثل . ألا ترى الحق سبحانه وتعالى كيف ضرب المثل عن نوره الذاتي بالمشكاة والمصباح والزجاجة ، وكان الإنسان صورة هذا التشبيه الذاتي ، لأن المراد بالمشكاة صدره وبالزجاجة قلبه وبالمصباح سرّه وبالشجرة المباركة الإيمان بالغيب وهو ظهور الحق في صورة الخلق ، والإيمان هو الإيمان بالغيب ، والمراد بالزيتونة الحقيقة المطلقة التي لا نقول بأنها من كل الوجوه

--> ( 1 ) آية ( 115 ) سورة البقرة .