عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
49
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
واعلم أن الواحدية عبارة عن مجلي ظهور ، الذات فيها صفة ، والصفة فيها ذات ، فبهذا الاعتبار ظهر كل من الأوصاف عين الآخر ، فالمنتقم فيها عين اللّه ، واللّه عين المنتقم ، والمنتقم عين المنعم ، وكذلك ظهرت الواحدية في النعمة نفسها ، والنقمة عينها ، كانت النعمة التي هي عبارة عن الرحمة عين النقمة التي هي عبارة عن عين العذاب ، والنقمة التي هي العذاب عبارة عن النعمة التي هي عين الرحمة ، كلّ هذا باعتبار ظهور الذات في الصفات وفي آثارها وفي كل شيء مما ظهر فيه الذات بحكم الواحدية هو عين الآخر ، ولكن باعتبار التجلي الواحدي لا باعتبار إعطاء كلّ ذي حق حقه ، وذلك هو التجلي الذاتي . واعلم أن الفرق بين الأحدية والواحدية والألوهية ، أن الأحدية لا يظهر فيها شيء من الأسماء والصفات وذلك عبارة عن محض الذات الصرف في شأن الذاتي . والواحدية تظهر فيها الأسماء والصفات مع مؤثراتها لكن بحكم الذات لا بحكم افتراقها ، فكل منها فيه عين الآخر ، والألوهية تظهر فيها الأسماء والصفات بحكم ما يستحقه كل واحد من الجميع ، ويظهر فيها أن المنعم ضد المنتقم ، والمنتقم فيها ضد المنعم ، وكذلك باقي الأسماء والصفات ، حتى الأحدية فإنها تظهر في الألوهية بما يقتضيه حكم الأحدية وبما يقتضيه حكم الواحدية ، فتشمل الألوهية بمجلاها أحكام جميع المجالي فهي مجلي إعطاء كل ذي حق حقه ، والأحدية مجلي « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » والواحدية مجلي قوله : « وهو الآن على ما عليه كائن » قال اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 2 » فلهذا كانت الأحدية أعلى من الواحدية لأنها ذات محض ، وكانت الألوهية أعلى من الأحدية لأنها أعطت الأحدية حقها ، إذ حكم الألوهية إعطاء كل ذي حق حقه ؛ فكانت أعلى الأسماء وأجمعها ، وأعزها وأرفعها ، وفضلها على الأحدية كفضل الكلّ على الجزء ، وفضل الأحدية على باقي المجالي الذاتية ، كفضل الأصل على الفرع ، وفضل الواحدية على باقي التجليات كفضل الجمع على الفرق ، فانظر أين هذه المعاني منك وتأملها فيك : أجن الثمار فإنما * غرست لكي تجنيها
--> ( 1 ) إتحاف السادة المتقين 2 / 105 ، والأسرار ( 263 ) ، وكشف الخفاء 2 / 189 وعزاه إلى « ابن حبان » و « الحاكم » و « ابن أبي شيبة » ، وقال : قال القاري ثابت . ( 2 ) آية ( 88 ) سورة القصص .