عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

47

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

أنا لم أكن هو لم يزل * فلأي شيء أُطنب ضاع الكلام فلا كلا * م ولا سكوت معجب جمعت محاسني العلا * أنا غافر والمذنب الباب الخامس : في الأحدية الأحدية عبارة من مجلي الذات ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور ، فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية ، وليس لتجلي الأحدية في الأكوان مظهر أتمّ منك إذا استغرقت في ذاتك ونسيت اعتباراتك وأخذت بك فيك عن ظواهرك ، فكنت أنت في أنت من غير أن ينسب إليك شيء مما تستحقه من الأوصاف الحقية ، أو هو لك من النعوت الخلقية ، فهذه الحالة من الإنسان أتمّ مظهر للأحدية في الأكوان فافهم . وهو أول تنزلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي ، فأعلى تجلياتها هو هذا التجلي لتمحضها وتنزّهها عن الأوصاف والأسماء والإشارات والنسب والاعتبارات جميعا بحيث وجود الجميع فيها ، لكن بحكم البطون في هذا التجلي لا بحكم الظهور ، وهذه الأحدية في لسان العموم هي عين الكثرة المتنوعة فهي في المثل كمن ينظر من بعد إلى جدار قد بنى ذلك الجدار من طين وآجر وجصّ وخشب ، ولكنه لا يرى شيئا من ذلك ولا يرى إلا جدارا فقط فكانت أحدية هذا الجدار مجموع ذلك الطين والآجر والجصّ والخشب ، لا على أنه اسم لهذه الأشياء ، بل على أنه اسم لتلك الهيئة المخصوصة الجدارية ، كما أنك مثلا في مشهدك واستغراقك في آنيتك التي أنت بها أنت لا تشاهد إلا هو ولا يظهر لك في شهودك منك في هذا المشهد شيء من حقائقك المنسوبة إليك على أنك مجموع تلك الحقائق ، فتلك هي أحديتك على أنها اسم لمجلاك الذاتي باعتبار هويتك لا باعتبار أنك مجموع حقائق منسوبة إليك ، فإنك ولو كنت تلك الحقائق المنسوبة فالمجلي الذاتي الذي هو مظهر الأحدية فيك إنما هو اسم لذاتك باعتبار عدم الاعتبارات ، فهي في الجناب الإلهي عبارة عن صرافة الذات المجردة عن جميع الأسماء والصفات وعن جميع الأثر والمؤثرات ، وكان أعلى المجالي لأن كل مجلي بعده لا بد أن يتخصص حتى الألوهية فهي متخصصة بالعموم ، فالأحدية أوّل ظهور ذاتي ، وامتنع الاتصاف بالأحدية