عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

45

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

لي معنى إذا بدا كنت معنى * من معانيه ذا غناء افتقاري وإذا زال لم أزل في لباس * لم أكن منه منذ ما كنت عاري وعليها تركبت كل معنى * لي من ذاتي العزيز المنار فألوهبتي لذاتي أصل * بل هو الفرع فاعلمن شعاري عجبا للذي هو الأصل حكما * أن يسير لفرعه فهو ساري لا يهولنك المقال فإني * لم أكن فرعه سوى في استتاري وعليه مؤصل كلّ فرع * هو أصل لباطني وظهاري وإذا ما بدا تجليت فيه * وإذا ما أزيل فهو خماري فهو تدريه لا تراه وإني * قد تراني ولم تكن لي داري سنة لي جرت بذلك وإني * لغنيّ بأن أرى أو أواري فالألوهية مشهودة الأثر مفقودة في النظر يعلم حكمها ولا يرى رسمها ، والذات مرئية العين مجهولة الأين ترى عيانا ولا يدرك لها بيانا ، ألا ترى أنك إذا رأيت رجلا تعلم أنه موصوف مثلا بأوصاف متعددة ، فتلك الأوصاف الثابتة له إنما تقع عليها بالعلم والاعتقاد أنها فيه ولا تشهد لها عينا ؛ وأما ذاته فأنت تراها بجملتها عيانا ، ولكن تجهل ما فيها من بقية الأوصاف التي لم يبلغك علمها ، إذ يمكن أن يكون لها ألف وصف مثلا وما بلغك منها إلا بعضها ، فالذات مرئية والأصاف مجهولة ولا ترى من الوصف إلا الأثر ، أما الوصف نفسه فهو الذي لا يرى أبدا البتة ، مثاله ما ترى من الشجاع عند المحاربة إلا إقدامه وذلك أثر الشجاعة لا الشجاعة ولا ترى من الكريم إلا إعطاءه وذلك أثر الكرم لا نفس الكرم ، لأن الصفة كامنة في الذات لا سبيل إلى بروزها ، فلو جاز عليها البروز جاز عليها الانفصال عن الذات وهذا غير ممكن فافهم ، وللألوهية سرّ ، وهو أن كل فرد من الأشياء التي يطلق عليها اسم الشبيه قديما كان أو محدثا ، معدوما كان أو موجودا ، فهو يحوي بذاته جميع بقية أفراد الأشياء الداخلة تحت هيمنة الألوهية ، فمثل الموجودات كمثل مراء متقابلات يوجد جميعها في كل واحد منها ؛ فإن قلت : إن المرائي المتقابلات قد وجد في كل منها ما وجد في الأخرى ، فما جمعت الواحدة من المرائي إلا ما هي عليه ، وبقي الأفراد المتعدات من المرائي التي تحت كل فرد منها جميع المجموع ساغ بهذا الاعتبار أن نقول : ما حوى كل فرد من أفراد الوجود إلا ما استحقته ذاته لا