عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

39

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

بهذه المثابة ، وهذا لا سبيل إلى استيعابه مفصلا ، ولكن على سبيل الإجمال ، فإنه يحصل من حيث الذات لدركه ذاته فلا يفوته شيء من ذلك ، فإذن ما المدركة إلا الذات وما غير مدركة إلا الصفات ، لأن عدم التناهي هو من صفات الذات لا من الذات ، فالذات مدركة معلومة محققة ، والصفات مجهولة غير متناهية ، وكثير من أهل اللّه حجبوا بهذه المسألة ، فإنهم لما كشف اللّه لهم عن ذاته أنه هم طلبوا إدراك صفاته فلم يجدوها من أنفسهم فأنكروه ، فلم يجيبوه إذ ناداهم ولم يعبدوه إذ قال لموساهم : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي « 1 » وقالوا له : لست إلا المخلوق ؛ لأنهم ما اعتقدوا في الحق أن تدرك ذاته وتجهل صفاته ، وكان التجلي على خلاف المعتقد فحصل الإنكار ، وظنوا أن الصفات تدرك في الذات شهودا كما تدرك الذات ، ولم يعلموا أن هذا ممتنع حتى في المخلوقات لأنك إنما ترى وتعاين منك ذاتك ، وأما ما فيك من صفة الشجاعة والسخاوة والعلم فإنه لا يدرك بشهود ، بل يبرز منك شيئا فشيئا على قدر معلوم ، فإذا برزت الصفة وشوهد منها هذا الأثر حكم لك بهذا ، وإلا فتلك الصفات جميعها منطوية فيك جميعها غير مدركة ولا مشهودة ، لكن العقل ينسبها إليك بطريق العادة وجريا على القانون المفهوم . واعلم أن إدراك الذات العلمية هو أن تعلم بطريق الكشف الإلهي أنك إياه وهو إياك ، وأن لا اتحاد ولا حلول ، وأن العبد عبد والرب ربّ ، ولا يصير العبد ربا ولا الربّ عبدا ، فإذا عرفت هذا القدر بطريق الذوق والكشف الإلهي الذي هو فوق العلم والعيان ولا يكون ذلك إلا بعد السحق والمحق الذاتي ، وعلامة هذا الكشف أن يفني أولا عن نفسه بظهور ربه ، ثم يفني ثانيا عن ربه بظهور سرّ الربوبية ، ثم يفنى ثالثا عن متعلقات صفاته بمتحققات ذاته ، فإذا حصل لك هذا حينئذ فقد أدركت الذات ليس على هذا في نفس إدراكك الذات زيادة : وأما كون ما لهويتك من العلم والقدرة والسمع والبصر والعظمة والقهر والكبرياء وأمثال ذلك ، فإن ما هو من مدارك الصفات يدرك منه كل من الذاتين على قدر قوّة عزمه وعلوّ همته ودخول علمه ، فقل ما شئت ، إن قلت أن الذات لا تدرك ، فباعتبار أنها عين الصفات ، وإلى هذا المعنى أشار بقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 2 » لأن الأبصار من الصفات ، فمن لم يدرك الصفة لم يدرك الذات ، وإن قلت إنها تدرك فباعتبار ما قد سبق ، وهذه مسألة خفيت على

--> ( 1 ) آية ( 14 ) سورة طه . ( 2 ) آية ( 103 ) سورة الأنعام .