عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

260

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وسيأتي بيان سرّ الصلاة في محله إن شاء اللّه تعالى ، ويتعبدون بالصوم ليوم كنورا ، إذ هو اليوم العاشر من أول السنة وهو يوم عاشوراء ، وسيأتي بيان سرّه أيضا ؛ ويتعبدون بالاعتكاف في يوم السبت ، وشرط الاعتكاف عندهم أن لا يدخل في بيته شيئا مما يتموّل به ولا مما يؤكل ، ولا يخرج منه شيئا ، ولا يحدث فيه نكاحا ولا بيعا ولا عقدا ، وأن يتفرّغ لعبادة اللّه تعالى لقوله تعالى في التوراة : أنت وعبدك وأمتك للّه تعالى في يوم السبت ، فلأجل هذا حرم عليهم أن يحدثوا في يوم السبت شيئا مما يتعلق بأمر دنياهم ، ويكون مأكوله مما جمعه يوم الجمعة ، وأوّل وقته عندهم إذا غربت الشمس من يوم الجمعة وآخره الاصفرار من يوم السبت . وهذه حكمة جليلة فإن الحق تعالى خلق السماوات والأرضين في ستة أيام وابتدأها في يوم الأحد ثم استوى على العرش في اليوم السابع وهو يوم السبت ، فهو يوم الفراغ ، فلأجل هذا عبد اللّه اليهود بهذه العبادة في هذا اليوم إشارة إلى الاستواء الرحماني وحصوله في هذا اليوم فافهم . ولو أخذنا في الكلام على سرّ مأكولهم ومشروبهم الذي سنه لهم موسى ، أو لم أخذنا في الكلام على أعيادهم وما أمرهم فيها نبيهم وفي جميع تعبداتهم وما فيها من الأسرار الإلهية خشينا على كثير من الجهال أن يغترّوا به فيخرجوا عن دينهم لعدم علمهم بأسراره ، فلنمسك عن إظهار أسرار تعبدات أهل الكتاب ، ولنبين ما هو أفضل من ذلك وهو أسرار وتعبدات أهل الإسلام ، فإنها جمعت جميع المتفرّقات ولم يبق شيء من أسرار اللّه إلا وقد هدانا إليه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فدينه أكمل الأديان وأمته خير الأمم . وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى ، فهم دون المحمديين ، وسببه أنهم طلبوا اللّه تعالى فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس ، ثم قالوا بعدم التجزئة ، ثم قالوا بقدمه على وجوده في محدث عيسى ، وكل هذا تنزيه في تشبيه لائق بالجانب الإلهي ، لكنهم لما حصروا ذلك في هؤلاء الثلاثة نزلوا عن درجة الموحدين ، غير أنهم أقرب من غيرهم إلى المحمديين لأن من شهد اللّه في الإنسان كان شهوده أكمل من جميع من شهد اللّه من أنواع المخلوقات ، فشهودهم ذلك في الحقيقة العيسوية يؤول بهم إذا انكشف الأمر على ساق أن يعلموا أن بني آدم كمراء متقابلات يوجد في كل منها ما في الأخرى فيشهدون اللّه تعالى في نفسهم فيوحدونه على الإطلاق فينقلبون إلى درجة الموحدين لكن بعد جوازهم على صراط البعد ، وهو التقييد والحصر المتحكم في عقائدهم ؛ وتعبد اللّه النصارى بصوم