عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
244
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فافهم ما أشرت إليه تحقق بما دللتك عليه ، واستعن باللّه في إحكام الطريق ينجك الحق من كيد هذا الفريق . وأما الطبقة الثالثة من الأرض : فإن لونها أصفر كالزعفران تسمى أرض الطبع ، يسكنها مشركو الجن ، ليس فيها مؤمن باللّه ، قد خلقوا للشرك والكفر يتمثلون بين الناس على صفة بني آدم ، لا يعرفهم إلا أولياء اللّه تعالى ، لا يدخلون بلدة فيها رجل من أهل التحقيق إذا كان متمكنا بشعاع أنواره ، وأما قبل ذلك فإنهم يدخلون عليه ويحاربهم ، فلا يزالون كذلك حتى ينصره اللّه تعالى عليهم ، فلا يقربون بعد هذا من أرضه ، ومن توجه إليه احترق بشعاع أنواره ، ليس لهؤلاء عمل في الأرض إلا إشغال الخلق عن عبادة اللّه تعالى بأنواع الغفلة ، دورة كرة هذه الأرض مسيرة أربعة آلاف سنة وأربعمائة سنة وثمانية أشهر ، كلها عامرة بالسكنى ليس فيها خراب ، لم يذكر الحق سبحانه وتعالى فيها منذ خلقها إلا مرة واحدة بلغة غير لغة أهلها ، فافهم ما أشرنا إليه واعرف ما دللناك عليه . وأما الطبقة الرابعة من الأرض : فإن لونها أحمر كالدم تسمى أرض الشهود ، دورة كرة هذه الأرض مسيرة ثمانية آلاف سنة وخمس وستين سنة ومائة وعشرين يوما ، كلها عامرة بالسكنى ، يسكنها الشياطين ، وهم على أنواع كثيرة ، يتوالدون من نفس إبليس ، فإذا تحصلوا بين يديه جعلهم طوائف ، يعلم طائفة منهم القتل ليكونوا أدلة عليه لعبادة اللّه ، ثم يعلم طائفة الشرك ويحكمهم في معرفة علوم المشركين ليوطن بنيان الكفر في قلوب أهله ، ويعلم طائفة العلم ليجادلوا به العلماء ، ويعلم طائفة منهم المكر وطائفة الخداع وطائفة الزنا وطائفة السرقة ، حتى لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا وقد أرصد لها طائفة من حفدته ، ثم يأمرهم أن يجلسوا في مواضع معروفة ، فيعلموا أهل الخدع والمكر وأمثال ذلك أن يقيموا في دركة الطمع ، ويعلموا أهل القتل والطعن وأمثال ذلك أن يقيموا في دركة الرياسة ، ويعلموا أهل الشرك أن يقيموا في دركة الشرك ، ويعلموا أهل العلم أن يقيموا في دركة المناجاة والعبادات ، ويعلموا أهل الزنا والسرقة وأمثال ذلك أن يقيموا في دركة الطبع ؛ ثم جعل بأيديهم سلاسل وقيودا يأمرهم أن يجعلوها في أعناق من يحتكم لهم سبع مرات متواترات ليس بينها توبة ، ثم يسلمونه بعد ذلك إلى عفاريت الشياطين فينزلون إلى الأرض التي تحتهم ، ويجعلون أصول تلك السلاسل فيهم ، فلا يمكنه مخالفتهم بعد أن توضع تلك السلاسل في عنقه أبدا « واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل » .