عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

239

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

هذا على أن استيفاءه غير ممكن وحصره غير جائز ، فلا تدرك ماهيته ولا ترى ولا يعلم كنهه ولا يدري ، فلما اطلع ترجمان الأزل على هذا الخطاب أخبركم به من أم الكتاب ، فترجم بالحق والصواب ، ثم تركته وانصرفت وقد اغترفت من بحره ما اغترفت . واعلم أن اللّه تعالى جعل دور فلك هذه السماء مسيرة اثنتين وعشرين ألف سنة وستا وستين سنة وثمانية أشهر ، فيقطع كوكبها وهو المشتري فيها في كل ساعة مسيرة تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما ونصف يوم ، فيقطع جميع الفلك في مضيّ أربع وعشرين ساعة ، ويقطع جميع الفلك الكبير في مضيّ اثنتي عشرة سنة ، يقطع كل سنة برجا من الفلك الكبير ، وخلق اللّه تعالى هذه السماء من نور الهمة ، وجعل ميكائيل موكلا بملائكتها ، وهم ملائكة الرحمة ، جعلهم اللّه معارج الأنبياء ، ومراقي الأولياء ، خلقهم اللّه تعالى لإيصال الرقائق إلى من اقتضتها له الحقائق ، دأبهم ربع الوضيع وتسهيل الصعب المنيع ، يجولون في الأرض ، بسبب رفع أهلها من ظلمة الخفض ، فهم أهل البسط بين الملائكة والقبض ، وهم الموكلون بإيصال الأرزاق إلى المرزوقين على قدر الوفاق ، جعلهم اللّه تعالى من أهل البسط والحظوة ، فهم بين الملائكة مجابو الدعوة ، لا يدعون لأحد بشيء ألا أجيب ، ولا يمرّون بذي عاهة إلا ويبرأ ويطيب ، إليهم أشار عليه الصلاة والسلام في قوله : « فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة أجيب دعوته وحصلت بغيته » « 1 » فما كل ملك يجاب دعاه ، ولا كل حامد يستطاب ثناه ؛ ثم إني رأيت ملائكة هذه السماء مخلوقة على سائر أنواع الحيوانات ، فمنهم من خلقه اللّه تعالى على هيئة الطائر وله أجنحة لا تنحصر للحاصر ، وعبادة هذا النوع خدمة الأسرار ورفعها من حضيض الظلمة إلى عالم الأنوار ، ومنهم من خلقه اللّه تعالى على هيئة الخيول المسومة ، وعبادة هذه الطائفة المكرّمة رفع القلوب من سجن الشهادة إلى فضاء الغيوب ؛ ومنهم من خلقه اللّه تعالى على هيئة النجائب وفي صورة الركائب ، خلقه اللّه تعالى على هيئة البغال والحمير ، وعبادة هذا النوع رفع الحقير وجبر الكسير والعبور من القليل إلى الكثير ؛ ومنهم من خلقه اللّه تعالى على صورة الإنسان ، وعبادة هؤلاء حفظ قواعد الأديان ، ومنهم من خلق على صفة بسائط الجواهر والأعراض ، وعبادة هؤلاء إيصال الصحة

--> ( 1 ) قريبا منه : البخاري 1 / 198 ، ومسلم في : الصلاة ( 72 ) ، وأبو داود ( 936 ) ، والترمذي ( 250 ) ، وابن ماجة ( 852 ) .