عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
230
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الأرض لما شوهدت ولا رؤيت ، وكم في السماوات من نجم مضيء لا يسقط شعاعه إلى الأرض فلا نراه لبعده ولطافته لكن أهل الكشف يرونه ويعبرون عنه لأهل الأرض فيفهمونهم إياه . اعلم أن اللّه تعالى قد خلق جميع الأرزاق والأقوات المتنوّعة في أربعة أيام ، وجعلها بين السماء والأرض مخزونة في قلب أربعة أفلاك : الفلك الأول فلك الحرارة ، الفلك الثاني فلك اليبوسة ، الفلك الثالث فلك البرودة ، الفلك الرابع فلك الرطوبة ، وهذا معنى قوله تعالى : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ « 1 » يعني بحكم التسوية على قدر السؤال الذاتي ، لأن الحقائق تسأل بذاتها ما تقتضيه كلما اقتضت حقيقة من حقائق المخلوقات شيئا نزل لها من تلك الخزائن على قدر سؤالها ، وهذا معنى قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 2 » ثم جعل ملائكة الإنزال الموكلة بإيصال كل رزق إلى مرزوقه في السبع السماوات ، ثم جعل في كل سماء ملكا يحكم على من فيها من ملائكة الأرزاق يسمى ملك الحوادث ، وجعل لذلك الملك روحانية الكواكب الموجودة في تلك السماء ، فلا ينزل من السماء ملك من ملائكة الأرزاق إلا بإذن ذلك الملك المخلوق على روحانية كوكب تلك السماء ، فكوكب سماء الدنيا القمر ، وكوكب السماء الثانية عطارد ، وكوكب السماء الثالثة الزهرة ، وكوكب السماء الرابعة الشمس ، وكوكب السماء الخامسة المريخ ، وكوكب السماء السادسة المشتري ، وكوكب السماء السابعة زحل . وأما السماء الدنيا فإنها أشد بياضا من الفضة ، خلقها اللّه تعالى من حقيقة الروح لتكون نسبتها للأرض نسبة الروح للجسد ، وكذلك جعل فلك القمر فيها ، لأنه تعالى جعل القمر مظهر اسمه الحيّ ، وأدار فلكه في سماء البروج فيه حياة الوجود وعليه مدار الموهوم والمشهود ، ثم جعل فلك الكوكب القمري هو المتولي تدبير الأرض ، كما أن الروح هي التي تتولى تدبير الجسد ، فلو لم يخلق اللّه تعالى سماء الدنيا من حقيقة الروح لما كانت الحكمة تقتضي وجود الحيوان من الأرض ، بل كانت محل الجمادات ، ثم أسكن اللّه تعالى آدم في هذه السماء ، لأن آدم روح العالم الدنيوي إذ به نظر اللّه إلى الموجودات فرحمها ، وجعل لها حياة بحياة آدم فيها ، فلم يزل العالم الدنيوي حيا ما دام هذا النوع الإنساني فيها ، فإذا انتقل منها
--> ( 1 ) آية ( 10 ) سورة فصلت . ( 2 ) آية ( 21 ) سورة الحجر .