عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

213

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الكامل ؛ فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها ، وإلا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه إلا بمرآة الاسم اللّه فهو مرآته ، والإنسان الكامل أيضا مرآة الحقّ ، فإن الحقّ تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه ولا صفاته إلا في الإنسان الكامل ، وهذا معنى قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » يعني قد ظلم نفسه بأن أنزلها عن تلك الدرجة ، جهولا بمقداره لأنه محل الأمانة الإلهية وهو لا يدري . واعلم أن الإنسان الكامل تنقسم جميع الأسماء والصفات له قسمين : فقسم يكون عن يمينه كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وأمثال ذلك ، وقسم يكون عن يساره كالأزلية والأبدية والأولية والآخرية وأمثال ذلك ، ويكون له وراء الجميع لذة سريانية تسمى لذة الألوهية يجدها في وجود جميعه بحكم الانسحاب ، حتى أن بعض الفقراء تمنى استرساله في تلك اللذة ، ولا يغرّنك كلام من يزيف هؤلاء ، فإنه لا معرفة له بهذا المقام ، ويكون للإنسان الكامل فراغ عن متعلقاته كالأسماء والصفات فلا يكون له إليهم نظر ، بل متجرّد عن الأسماء والصفات والذات لا يعلم في الوجود غير هويته بحكم اليقين والكشف يشهد صدور الوجود أعلاه وأسفله منه ، ويرى متعددات أمر الوجود في ذاته كما يرى أحدنا خواطره وحقائقه ، وللإنسان الكامل تمكن من منع الخواطر عن نفسه جليلها ودقيقها ، ثم إن تصرفه في الأشياء لا عن اتصاف ولا عن آلة ولا عن اسم ولا عن رسم ، بل كما يتصرّف أحدنا في كلامه وأكله وشربه ، وللإنسان الكامل ثلاث برازخ وبعدها المقام المسمى بالختام : البرزخ الأول يسمى البداية وهو التحقق بالأسماء ، والصفات . البرزخ الثاني يسمى التوسط وهو فلك الرقائق الإنسانية بالحقائق الرحمانية ، فإذا استوفى هذا المشهد علم سائر المكتمات واطلع على ما شاء من المغيبات . البرزخ الثالث وهو معرفة التنوّعات الحكمية في اختراع الأمور القدرية لا يزال الإنسان تخرق له العادات بها في ملكوت القدرة حتى يصير له خرق العوائد عادة في فلك الحكمة فحينئذ يؤذن له بإبراز القدرة في ظاهر الأكوان فإذا تمكن من هذا البرزخ حل في المقام المسمى بالختام والموصوف بالجلال والإكرام ، وليس بعد ذلك إلا الكبرياء ، وهي

--> ( 1 ) آية ( 72 ) سورة الأحزاب .