عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
203
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
يخشى عليهم من طلب الراحات والركون إلى العادات . المظهر السابع : المعارف الإلهية يظهر فيها على الصديقين والأولياء والعارفين إلا من حفظه اللّه تعالى ؛ وأما المقرّبون فما له عليهم من سبيل ، فأول ما يظهر به عليهم في الحقيقة الإلهية فيقول لهم : أليس أن اللّه حقيقة الوجود جميعه وأنتم من جملة الوجود والحق حقيقتكم ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : لم تتعبون أنفسكم بهذه الأعمال التي يعملها هؤلاء المقلدة ، فيتركون الأعمال الصالحة فإذا تركوا الأعمال قال لهم افعلوا ما شئتم ، لأن اللّه تعالى حقيقتكم ، فأنتم هو ، وهو لا يسئل عما يفعل ، فيزنون ويسرقون ويشربون الخمر حتى يؤول بهم ذلك إلى أن يخلعوا ربقة الإسلام والإيمان من أعناقهم بالزندقة والإلحاد ، فمنهم من يقول بالاتحاد ، ومنهم من يدعي في ذلك الإفراد ، ثم إذا طولبوا بالقصاص وسئلوا عن منكراتهم التي فعلوها يقول لهم : أنكروا ولا تمكنوا من أنفسكم ، فإنكم ما فعلتم شيئا وما كان الفاعل إلا اللّه وأنتم ما هو على اعتقاد الناس واليمين على نية المستحلف ، فيحلفون أنهم لم يصنعوا شيئا وقد يناجيهم في لباس الحق فيقول لأحدهم إني أنا اللّه وقد أبحت لك المحرمات فاصنع ما شئت ، أو فاصنع كذا وكذا من المحرّمات فلا إثم عليك ، وكل هذا لا يكون غلطا إلا إذا كان إبليس هو الظاهر عليهم ، وإلا فالحق سبحانه وتعالى بينه وبين عباده من الخصوصيات والأسرار ما هو أعظم من ذلك ، ولمواجيد الحق علامات عند أهله غير منكورة ، وإنما تلتبس الأشياء على من لا معرفة له بها مع عدم العلم بالوصول ، وإلا فمثل هذه الأشياء لا تكاد تخفى على من له معرفة بالأصول ألا ترى إلى حكاية سيدي الشيخ عبد القادر لما قيل له وهو في البادية : يا عبد القادر إنني أنا اللّه وقد أبحت لك المحرّمات فاصنع ما شئت ، قال له : كذبت إنك شيطان ؛ فلما سئل عن ذلك وقيل له : بماذا علمت أنه شيطان ؟ فقال لقول اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ « 1 » فلما أمرني هذا اللعين بذلك علمت أنه شيطان يريد أن يغويني ، على أن نفس مثل هذا قد يجري لعباد اللّه مع الحق ، كما جرى لأهل بدر وغيرهم ، وهذا مقام لا أنكره أخذ الوقت من بدايتي طرفا منه ، وكنت محقا ، فنقلني الحق منه ببركة سيدي وشيخي أستاذ الدنيا وشرف الدين سيد الأولياء المحققين أبي المعروف الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي ، ولقد اعتنى بي وأنا في تلك الحالة
--> ( 1 ) آية ( 28 ) سورة الأعراف .