عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
195
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
اعلم أيدك اللّه بروح منه ولا أخلاك في وقت عنه ، أن اللّه تعالى لما خلق محمدا صلّى اللّه عليه وسلم من كماله ، وجعله مظهرا لجماله وجلاله ، خلق كل حقيقة في محمد صلّى اللّه عليه وسلم من حقيقة من حقائق أسمائه وصفاته ، ثم خلق نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم من نفسه ، وليست النفس إلا ذات الشيء وقد بينا فيما مضى خلق بعض الحقائق المحمدية صلّى اللّه عليه وسلم من حقائقه تعالى ، كما مضى في العقل والوهم وأمثالهما ، وسيأتي بيان ما بقي ، ثم خلق اللّه نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم على ما وصفناه ، خلق نفس آدم عليه السلام نسخة من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فلهذه اللطيفة لما منعت من أكل الحبة في الجنة أكلتها لأنها مخلوقة من ذات الربوبية ، وليس من شأن الربوبية البقاء تحت الحجر ، ثم انسحب عليها هذا الحكم في دار الدنيا وفي الأخرى ، فلا تمنع من شيء إلا وتطلب إتيانه لهذه اللطيفة ، سواء كان ما منعت عنه سببا لسعادتها أم سببا لشقاوتها ، لأنها لا تأتي الشيء طلبا للسعادة أو للشقاوة ، بل إنما تأتيه لمجرّد ما هو عليه ذاتها من الربوبية الأصلية ، ألا ترى الحبة التي : أكلتها في الجنة كيف حملها عدم المبالاة حتى انتهى بها إلى أكلها عالمة بأنها تشقيها للإخبار الإلهي حيث قال : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ « 1 » وليست الحبة إلا الظلمة الطبيعية ، فكانت الحبة المخلوقة من الشجرة مثلا نصبه الحق تعالى لها بالظلمة الطبيعية ، فمنعها من أكلها لعلمه أنها إذا عصت استحقت النزول إلى دار ظلمة الطبائع فتشقى ، لأنها الشجرة الملعونة في القرآن ، فمن أتاها لعن ، أي طرد ، فلما أتتها طردت من القرب الإلهي الروحي إلى البعد الجسماني فليس النزول إلا هذا وهو انصراف وجهها من العالم العلوي الذي هو منزّه عن القيد والحصر إلى العالم السفلي الطبيعي الذي هو تحت الأسر . [ فصل ] : اعلم أن النفس لما منعت من أكل هذه الحبة ، وكان من شأنها عدم التحجير ، التبس الأمر عليها بين ما تعلمه لذاتها من سعادة الربوبية وبين الإخبار الإلهي بأن أكل الحبة يشقيها ، فاعتمدت على علمها من نفسها ولم تقف مع الإخبار الإلهي لعلة محبتها للأكل ، وهذا هو موضع الالتباس لجميع العالمين ، فكل من شقي إنما شقي بهذا الالتباس الذي شقيت النفس به أول وهلة ، فكانت الأمم تعتمد على علمها الحاصل لها من حيث العقل أو خبر المثل ، وتترك الإخبارات الإلهية الصريحة الواضحة مع البراهين القاطعة بصدق الرسل إليهم بها ، فهلك الجميع ،
--> ( 1 ) آية ( 35 ) سورة البقرة .